حضرموت وحسابات العقود الستة: قراءة هادئة في نتائج الثورة والشراكة
بقلم / أ.د خالد سالم باوزير
كتبتُ يوم أمس مقالاً تناولتُ فيه قضية حضرموت والجنوب والشراكة، وتحدثتُ فيه بكل شفافية واعتدال، بعيداً عن التعصب والمهاترات. استعرضتُ في المقال واقع الحال قبل الثورة وبعدها، وما الذي استقادته حضرموت والجنوب عموماً، كما تطرقتُ لبيان المجلس الانتقالي الداعي إلى إيقاف الحملات الإعلامية ضد الأشقاء في المملكة العربية السعودية وتعزيز التقارب معهم.
قد لا يروق هذا الطرح للبعض، وهذا حق طبيعي لكل قارئ، فـ “لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ”، ولكل رأيه المحترم. كما أنني لا أمتعض مطلقاً من الردود المتباينة على المقال، فالكمال لله وحده.
غير أن الحقائق الماثلة أمامنا اليوم لا يمكن التغاضي عنها؛ إذ تمرّ علينا اليوم ثلاثة وستون عاماً منذ انطلاقة ثورة 14 أكتوبر 1963م، يعقبها الاستقلال في عام 1967م، وما تلاه من سلبٍ لكيان حضرموت والسلطنات الأخرى ودمجها قصراً ضمن جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية.
ولم تمضِ إلا سنوات قليلة حتى بدأت التباينات والصراعات تطفو على السطح، حيث سعى كل طرف للحكم وفق رؤيته ومصالحه وارتباطاته الخارجية.
واليوم، ونحن نستحضر ذكرى الثورة، يحق لنا أن نتساءل بكل تجرد: ماذا تحقق لهذه الأرض وشعبها في الجنوب عموماً، وفي حضرموت -وهي بيت القصيد- على وجه الخصوص؟
إن حضرموت قد ضُمّت إلى دولة الجنوب قسراً، دون استطلاع رأي أبنائها في الداخل، أو مراعاة لمئات الآلاف من المهاجرين الحضارم في آسيا وإفريقيا ومختلف دول الاغتراب. ولو أُجري استفتـاء شعبـي حينها برعاية الأمم المتحدة، لما اختار أحدٌ الانضمام إلى تلك الدولة إلا صاحب مصلحة أو جاهل بحقيقة الأمور.
على مدى العقود الستة الماضية، ماذا استفاد الحضارم من هذا الانضمام إلى دولة اتخذت من النهج الشمولي مساراً لها؟ دولةٍ صادت أملاك الناس، وقيدت الحريات، وسحلت الشرفاء، وتصارعت قيادتها على السلطة والحكم في محطات دموية متكررة (1968م، 1969م، 1978م، وكان أشدها دماراً أحداث يناير 1986م).
ونتيجةً لتلك الصراعات المحمومة، اندفعت تلك القيادات نحو الوحدة هروباً من أزماتها الداخلية، وخوفاً من مصير مشابه لبعض أنظمة أوروبا الشرقية.
لقد استُبدل الاستعمار البريطاني بالنفوذ السوفيتي السائد حينها، وهي حقيقة أكدها الأستاذ الدكتور الراحل صالح باصرة في إحدى محاضراته بجامعة عدن، حين استعرض مساوئ إلحاق حضرموت بدولة الجنوب على يد القوميين والجبهة القومية.
لقد منعت تلك السلطات السفر، وحرمت الآلاف من أبناء حضرموت في المهاجر من العودة إلى وطنهم، وحُرِم الأطفال من العودة في سن السابعة لتعلم لغتهم ودينهم وقيمهم الحضرمية. بل إن النظام سمح للراغبين بالخروج من عدن بمغادرتها مقابل التنازل عن شققهم وممتلكاتهم لتسليمها للمسؤولين الجدد.
إنني لا أدعو إطلاقاً لتسليم البلاد لأي طرف، وما ذلك إلا تفسيرٌ خاطئ ينتمي لمخيلة من يتهموننا، بينما كان مقالي يركز بوضوح على مفهوم الشراكة العادلة. ولكن بعد مرور ستة عقود وثلاث سنوات عجاف، يظل السؤال قائماً: ماذا كسب الحضارم من الإلحاق القسري بالجنوب أو الشمال؟ لقد كان الحضارم هم الخاسر الأكبر؛ نُهبت أملاكهم في عدن وحضرموت، واستُنزفت ثروات ديارهم، وظلوا يمارسون دور “التابع” في كلا التجربتين حتى اليوم.
إن الشعب في حضرموت، ورغم الظروف الاقتصادية القاسية التي يمر بها منذ دخوله في الوحدة مراراً بحرب 1994م ثم حرب 2015م، قد ضاق ذرعاً بالصراعات السياسية. ولقد أضحت الصورة جليّة لدى الجميع: إن الخير كل الخير لحضرموت يكمن في عدم العودة إما إلى وحدة اندماجية فاشلة، أو إلى تجربة جنوبية سابقة؛ لأن النتائج المستقبلية لن تختلف عن ماضيها.
فمن اعتاد الاقتتال لا يمكنه التخلي عنه بسهولة بعد أن أصبح ذلك جزءاً من ثقافة وسلوك البعض، وما أحداث ديسمبر 2025م وأحداث يناير وفبراير 2026م إلا دليل حي وشاهد ماثل أمامنا على أن بعض القيادات كالأعمى الذي لا يتخلى عن عصاه.
أتمنى أن أكون قد أوضحتُ وجهة النظر هذه بحياد وموضوعية.. والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.






