اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

التعليم بين أمجاد الماضي ووجع الحاضر وضياع الاجيال

التعليم بين أمجاد الماضي ووجع الحاضر وضياع الاجيال

بقلم /أ. محمد سالم بن جعفر
السبت 3 اكتوبر 2026

لم يكن التعليم في زمنٍ مضى مجرد كتبٍ ومناهج وامتحانات، بل كان رسالةً يحملها المعلم بكل أمانة، ومهنةً لها هيبتها ومكانتها في المجتمع. كان المعلم آنذاك يُنظر إليه باعتباره مربياً وصانعاً للأجيال، وكان الطالب يدخل المدرسة وهو يعلم أن خلفه معلماً يمتلك الخبرة والقدرة على توجيهه وتعليمه.

أما اليوم، فإن الحديث عن ضعف التعليم في مدارسنا أصبح حديثاً يؤرق كل أسرة حريصة على مستقبل أبنائها، ولا يمكن اختزال المشكلة في الطالب أو المعلم وحده، فهناك مجموعة من العوامل المتراكمة التي أسهمت في تراجع مستوى التعليم.

ومنها عدم الاهتمام بالمعلم بالشكل الذي يليق بدوره ومسؤوليته.

فكيف نطلب من المعلم أن يقدم أفضل ما لديه، بينما يعيش تحت ضغوط معيشية قاسية، وراتب لا يواكب احتياجاته واحتياجات أسرته.
بل يحتاج إلى حياة مستقرة، وإلى راتب يحفظ له كرامته، وإلى بيئة عمل مناسبة، وإلى التدريب والتأهيل المستمر. فالتعليم يتطور، وطرق التدريس تتغير، والمناهج تتجدد، ولذلك لا يكفي أن يكون المعلم حاصلاً على شهادة، بل لا بد من تطوير مهاراته باستمرار.

إذا أردنا بناء تعليم قوي، فعلينا أن نبدأ ببناء معلم قوي ومستقر ومؤهل وليس تأهيله بالتدريس كما يضن البعض.

ومن الظواهر التي تستحق الوقوف أمامها من قبل الشخصيات التربوية والسلطة والمثقفين والاباء أيضاً استقطاب بعض الطلاب حديثي التخرج من الثانوية العامة والزج بهم في المدارس لتدريس طلاب، وخصوصاً في المرحلة الثانوية والمواد العلمية التي تحتاج إلى معلم متخصص يمتلك المعرفة والخبرة التربوية.

ليس المقصود التقليل من قدرات الشباب أو طموحاتهم، فالشباب هم مستقبل الوطن، ولكن التدريس مهنة تحتاج إلى إعداد وتأهيل وتخصص، ولا ينبغي أن يكون مجرد حل مؤقت او تمشئة عمل لسد العجز في الكادر التعليمي.

فالطالب في المرحلة الثانوية يحتاج إلى معلم متمكن من مادته، وقادر على شرح المفاهيم الصعبة، واكتشاف مواطن الضعف لدى طلابه، ومساعدتهم على الاستعداد للجامعة والحياة العملية.

فعندما نتذكر “الزمن الجميل” في التعليم، نتذكر معلماً كان يدخل الفصل وهو يحمل في قلبه رسالة قبل أن يحمل الكتاب، ونتذكر طالباً يحترم معلمه ويقدّر علمه، ومدرسة كانت لها هيبتها، ودفتر الطالب كان شاهداً على الجهد والمثابرة.

كان المعلم يحرص على أن يفهم الطالب، وليس فقط أن ينهي المنهج.

وكانت العلاقة بين المعلم والطالب تقوم على الاحترام والانضباط، وكان نجاح الطالب يُعد نجاحاً للمعلم وفخراً له.

أما اليوم، فقد أصبحنا أمام تحديات كثيرة: ضعف الإمكانات، وتراجع الاهتمام بالمعلم، وغياب التدريب الكافي، وضغوط الحياة، واكتظاظ الفصول في بعض المدارس، إلى جانب عوامل أخرى تؤثر في الطالب والأسرة والمدرسة معاً.

فالتعليم مسؤولية مجتمع كامل وليس اشخاص.
إن إصلاح التعليم لا يبدأ بتوجيه اللوم إلى المعلم أو الطالب، وإنما يبدأ بالاعتراف بالمشكلة والبحث عن حلول حقيقية.

نحن بحاجة إلى معلم مؤهل ومُقدّر، وراتب يضمن له حياة كريمة، وبرامج تدريب مستمرة، ومناهج حديثة، ومدارس مجهزة، وإدارة تعليمية تتابع وتقيّم وتدعم المعلم والطالب.

كما أننا بحاجة إلى إعادة الاعتبار لمهنة التعليم، حتى يشعر المعلم أن المجتمع يقدّر رسالته، ويشعر الطالب أن المدرسة طريق حقيقي لصناعة مستقبله.

فالتعليم ليس مبنى ولا سبورة ولا كتاباً فقط؛ التعليم هو الإنسان الذي يقف أمام الطالب ليصنع منه إنساناً قادراً على التفكير والبناء وخدمة وطنه.

ربما لن نستطيع أن نعيد الزمن إلى الوراء، لكن بإمكاننا أن نستعيد روح ذلك الزمن الجميل. فانقذو التعليم قبل ان يدفن.

فالأمم لا تُبنى بكثرة المباني، ولا بكثرة الشهادات، وإنما تُبنى بعقول متعلمة ومعلمين أكفاء.

وإذا استمر إهمال المعلم وإضعاف مكانته وتأهيل غير المتخصصين لتدريس المراحل الحساسة، فإن الخاسر الأكبر لن يكون المعلم وحده ولا المدرسة وحدها، بل جيل كامل ومستقبل وطن بأكمله.

أعيدوا للمعلم مكانته، وأعيدوا للمدرسة هيبتها، وأعيدوا للتعليم رسالته… فصلاح التعليم هو بداية صلاح المجتمع.

إغلاق