حين لا ينفع الندم.. سامحوا احبتكم قبل الرحيل
بقلم / رمزي الجابري
الاربعاء 3 سبتمبر 2026
ليس كل بكاء ياتي في وقته، وليس كل اعتذار يصلح ان ياتي بعد الرحيل.
كم من انسان غادر هذه الدنيا، وترك خلفه قلوبا مثقلة بالندم؛ شخص كان يتمنى لو قال له: «سامحني»، واخر كان يتمنى لو احتضنه للمرة الاخيرة، وثالث كان ينتظر فرصة للصلح، فاذا بالموت يغلق الباب الى الابد.
الحياة اقصر مما نتصور، والدنيا لا تمنح احدا ضمانا بان الغد سيجمعه بمن يحب. قد نختلف اليوم، ونؤجل المصالحة الى وقت اخر، ثم ياتي ذلك الوقت الذي لا نملك فيه سوى صورة، وذكرى، ودمعة لا تستطيع ان تعيد الراحل.
لهذا، فان التسامح لا ينبغي ان يكون بعد الفقد، بل قبل الفقد.
والاعتذار لا ينبغي ان نؤجله حتى تصبح الكلمات عاجزة عن الوصول الى صاحبها.
ايها الابن، ان كان بينك وبين ابيك خلاف، فبادر اليه.
ايها الاب، ان كان في قلبك عتاب لابنك، فاحتضنه قبل ان يفوت الاوان.
ايها الاخ، ان كان بينك وبين اخيك جفاء، فمد يدك اليه.
وايها القريب، لا تجعل الخصام يقطع رحما قد تندم على فقدها ذات يوم.
كم من اب رحل وكان يتمنى ان يسمع كلمة طيبة من ابنائه، وكم من ابن فقد والده وبقي يحمل في قلبه كلاما لم يقله، وكم من اخوين فرق بينهما الغضب، ثم جمعهما الموت عند قبر احدهما.
الموت لا ينتظر ان ننهي خلافاتنا، ولا يمنحنا مهلة اخيرة حتى نعتذر. قد تاتي اللحظة التي نبحث فيها عن شخص كان بالامس امام اعيننا، فلا نجد منه الا اسمه على شاهد قبر.
انها ليست دعوة الى نسيان الاخطاء، ولا الى قبول الظلم، وانما دعوة الى الا نترك الخصام يتحول الى قطيعة، والا نؤجل كلمة الخير، والا نسمح للكبرياء بان يحرمنا من احبتنا.
فالدنيا عابرة، والاعمار بيد الله، وما يبقى للانسان في النهاية ليس ما جمعه من مال، ولا ما كسبه من خصومات، وانما ما تركه من اثر طيب في قلوب من حوله.
لا تنتظروا الموت حتى تعرفوا قيمة الاحياء.
لا تنتظروا الجنازة حتى تبكوا من تحبون.
ولا تنتظروا الرحيل حتى تقولوا: كان غاليا علينا.
سامحوا قبل ان تضطروا الى البكاء، واعتذروا قبل ان يصبح الاعتذار مستحيلا، وصلوا ارحامكم قبل ان تصبح صلة الرحم ذكرى.
فربما تكون الكلمة التي تستطيع قولها اليوم، هي الكلمة التي ستتمنى قولها غدا ولا تستطيع.
صافوا القلوب ما دام اصحابها بينكم… فبعض الراحلين لا يؤلم غيابهم بقدر ما يؤلمنا الكلام الذي لم نقله لهم قبل الرحيل.






