ثورة في أسر الكهنوت.. وحكومة تُغرّد بعيداً عن أوجاع اليمنيين
بقلم م/علي عبود الجابري
في مثل هذه الأيام من كل عام، تعود ذكرى “ثورة سبتمبر” لتفتح جراحاً لم تندمل، ولتثير أسئلة قاسية ومؤلمة عن الأمل الذي صُودِر، والجمهورية التي غُدِر بها. كيف يُمكن لليمني اليوم أن يحتفل بذكرى أهدافٍ سامية، بينما يرزح الواقع تحت وطأة ارتداد تاريخي أعاد البلاد عقوداً إلى الوراء؟
الواقع شمالاً: عقيدة سلالية وطقوس جديدة
في الشمال، تقبع البلاد تحت قبضة سيطرة الحوثيين التي أطاحت بمدنية الدولة، وأحلّت محلها سلطة أمر واقع تنكر روح سبتمبر ومكتسباته. لم يكتفِ سلطة الكهنوت بمصادرة القرار السياسي والإداري، بل عملت على تجريف الهوية الوطنية وتدنيس الفكر المجتمعي، واستحدثت مناسبات وطقوساً طائفية غريبة عن روح الشعب وأصالته. لقد أصبحت السلطة هناك تمارس نوعاً من الوصاية الفكرية والدينية، … لقد أقدمت الجماعة فعلياً على بناء مجسم للكعبة في محافظة ذمار، ليطوف حوله الأتباع في مشهدٍ صادم يعكس حجم الانحراف الفكري والعقائدي، وكأنهم يبتدعون “كعبة جديدة” خاصة بهم، يطوف حولها القطيع في ارتداد تاريخي سافر عن ثوابت الأمة وعقيدتها.”
في مشهد يُعيد ذكريات الحكم الإمامي الفردي الذي ثار عليه اليمنيون عام 1962.
الشرعية في الشتات: احتفالات بلا أثر
وفي المقابل، تقف الحكومة المعترف بها دولياً بعيدة عن الميدان وعن هموم المواطن الذي يسحقه الغلاء وتطحنه الأزمات في الشمال والجنوب على حد سواء. تصدر بيانات التهاني وتُقام الفعاليات الرسمية من المقرات الخارجية في الرياض وغيرها، في انفصال تام عن الشارع اليمني. تصبح هذه الاحتفالات الشكليّة شبه سخرية بآلام الناس؛ إذ كيف يُطلب من جمهور جائع ومسحوق أن يصفق لذكرى ثورة مسلوبة، وهو لا يرى أمامه سوى سلطة شرعية غائبة عن أوجاعه، وغير قادرة على استعادة قرارها أو أرضها؟
هل حان وقت المراجعة؟
إن التساؤل المُرّ الذي يطرحه الشارع اليوم ليس إنكاراً لقيمة الثورة كفكرة أو تاريخ، بل احتجاج على تحويلها إلى مجرد بروتوكول شكلي. أليس من الأجدى والأولى بدلاً من المهرجانات الخطابية والتصفيق الفارغ، أن تُعلن المراجعة الصادقة؟ إن الاستعادة الحقيقية لسبتمبر لا تكون بالاحتفالات الكرتونية من الفنادق، بل بالعمل الفعلي على أرض الواقع لاستعادة الدولة، وإنهاء حالة الانقسام والارتهان، وإعادة الكرامة للمواطن اليمني الذي دفعت به هذه الحرب إلى أسوأ مراحل تاريخه المعاصر






