اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

علوي بن سميط.. أرشيف شبام الناطق وتاريخها الذي يمشي على قدمين

علوي بن سميط.. أرشيف شبام الناطق وتاريخها الذي يمشي على قدمين

بقلم /  أحمد سعيد بزعل
الجمعة 25 سبتمبر 2026

*مقدمة:*

في سلسلة *هامات حضرمية* نقف اليوم أمام هامة استثنائية، لا يمكن أن تُذكر شبام دون أن يُذكر اسمه، ولا يمكن أن يُذكر هو دون أن تُذكر شبام.

إنه الرجل الذي إذا تحدث فحديثه شبام، وإذا كتب فقلمه شبام، وإذا جلس فمجلسه تاريخ شبام. هو أرشيف مدينة شبام التاريخية، مدينة ناطحات السحاب الطينية الأولى في العالم، وكان له الفضل الكبير في حفظ تاريخها وتوثيق رجالها وحاراتها وتراثها.

إنه الزميل والأستاذ *علوي عبدالله بن سميط – أبو عبدالله*.

*علوي.. والاسم علوٌ ورفعة*

حين نقول *علوي*، فنحن لا نذكر اسماً فقط، بل نذكر علواً في المكانة ورفعة في القدر. ما رأيناه إلا عالياً بأخلاقه، شامخاً بكلمته، شجاعاً في قول الحق، لا يحب المجاملة، يقف مع المظلوم في كل كتاباته، صاحب كلمة حرة لا تلين ولا تباع.

وهو *ابن عبدالله*، نسب يتصل بعبودية الله، فكان عبدالله حقاً، رجل صلاح وتقوى غرس في ابنه حب العلم والتواضع وخدمة الناس.

وينتمي إلى اسرتة *آل بن سميط*، أسرة حضرمية عريقة ضاربة في جذور التاريخ، بيت علم وفتوى وصلاح ودعوة، منها العلماء ومفتو الديار الحضرمية، ومنها الدعاة الذين نشروا الإسلام في شرق آسيا وشرق أفريقيا، أسرة تحظى بمحبة وتقدير الجميع.

*مدرسة وتاريخ*

علوي بن سميط ليس مجرد صحفي، بل هو *مدرسة وتاريخ*. شهادتي فيه مجروحة، فتربطني به علاقة زمالة وأخوة صادقة، هو أحد الموجهين والواقفين معي منذ أن خضت مسيرتي الصحفية والرياضية والإعلامية في إذاعة سيئون.

كان موجهاً ومراجعاً لبعض كتاباتي، لا يبخل بالمشورة والنصيحة، فهو نعم الأب ونعم الأخ ونعم السند، تتلمذت على يديه أجيال.

*قلم دفع ثمن صدقه.. زنزانة 1997م*

لم تكن مسيرته مفروشة بالورود، بل طريقاً من الأشواك دفع ثمنه من حريته.

في عام *1997م*، وفي وقت صمت فيه الكثيرون وهادنوا، اختار أبو عبدالله أن يقول كلمة الحق. فكان جزاء الكلمة الصادقة أن زُج به في *زنزانة انفرادية*، اعتقال تعسفي طال صاحب القلم الحر، لا لذنب إلا لأنه كتب عن هموم المواطن في حضرموت ونقل الحقيقة كما هي.

تلك الزنزانة التي أرادوا كسر إرادته فيها، لم تزده إلا صلابة، وخرج منها أكثر إيماناً بأن الصحافة رسالة وليست وظيفة، وأن الكلمة أمانة. كان اعتقاله وسام شرف على صدره، وشاهداً على أنه لم يكن يوماً باحثاً عن منصب، بل عن الحقيقة.

*موقف لا ينساه التاريخ.. قضية الحيد*

ومن مواقفه التي لا يزال أبناء سيئون يذكرونها بفخر، وقوفه مع أحد أبناء سيئون ويدعى *محمد الحيد* بعد تعرضه للتعذيب الوحشي في أحد السجون بسيئون عام 1995م .

في وقت صمت فيه الجميع وخاف الكثير، وقف أبو عبدالله وحده كالطود الشامخ. لم يخف ولم يساوم رغم الإغراءات والمضايقات والتهديدات والمطاردات  من الوادي إلى الساحل  ولم يتخوف ابدا في قوة النظام آنذاك  وسلط الضوء على القضية بتحقيق صحفي استقصائي شجاع بالقلم والصورة نشرته *صحيفة الأيام*، صورة كانت تتحدث عن حجم الظلم.

وصل صدى تحقيقه إلى *مجلس النواب* الذي كلف لجنة خاصة للنزول إلى سيئون، ووصل صيت القضية إلى المنظمات الحقوقية. هذه هي الصحافة الحقيقية.. رجل أنصف المظلوم حين تخلى عنه الجميع، فأنصفه التاريخ.

*شبام.. حين تُذكر.. يُذكر اثنان: القلم والنغم*

والحديث عن علوي بن سميط لا يكتمل إلا بالحديث عن صديق عمره *الفنان الراحل أحمد يسلم زبير “أبو صالح” الشهير ببدوي زبير – جوهرة الطرب الحضرمي*.

في شبام إذا ذُكرت المدينة ذُكر معها اسمان لا يفترقان: الصحفي علوي بن سميط والفنان بدوي زبير. وجهان لعملة واحدة اسمها الوفاء والإبداع، تفرقت بهما السبل فناناً وصحفياً، لكن جمعتهما مدينة واحدة وصداقة أخوين من طينة شبام الأصيلة.

وللتاريخ ثلاث حقائق تثبت هذا الوفاء:

*صاحب أشهر لقب:* علوي بن سميط هو من أطلق على بدوي زبير لقبه الخالد *“جوهرة الطرب الحضرمي”* في مقال نشرته *صحيفة الأيام* في اليوم الثاني لوفاته بعنوان *“وافتقدنا جوهرة الطرب الحضرمي”*.

*صاحب أول مقال:* أول مقال صحفي كُتب عن بدوي زبير في حياته كتبه علوي في *مجلة الفنون العدنية العدد 6/7 – يونيو/يوليو 1982م*.

*صاحب أول حوار:* أول حوار صحفي مع بدوي زبير أجراه علوي ونشر في *صحيفة الأيام العدد 87 عام 1992م*.

وبعد رحيل الجسد وبقاء الصوت، ظل علوي هو *الحارس الأمين لتراث جوهرة الطرب وذاكرته الحية*، الصندوق الأسود الذي يحتفظ بكل تفاصيله، لم يترك منبراً إذاعياً أو تلفزيونياً إلا وطالب فيه بإنصاف بدوي وتوثيق أغانيه وإطلاق اسمه على معلم ثقافي. حتى أوكلت إليه *أسرة الفقيد التفويض الرسمي للتحدث عن تاريخ والدهم* ثقة بأمانته.

واحد حمل القلم.. والآخر حمل العود.. فاجتمعا في سماء شبام نجمتين لا تغيبان.

*وعكة هزت القلوب ومحبة أثبتت مكانته*

قبل أيام فُجع الوسط الصحفي والإعلامي بتعرض زميلنا علوي لجلطة دماغية خفيفة نُقل على إثرها إلى مركز نبض الحياة بسيئون، وهو الآن ولله الحمد بصحة وعافية.

وما إن انتشر الخبر حتى ابتهل الجميع إلى الله بالشفاء، وتوافد المحبون من كل مكان إلى شبام للاطمئنان عليه، وهذا الحب ليس مستغرباً، فمن زرع الحب حصده. نسأل الله أن يلبسه ثوب الصحة والعافية ويبقيه أرشيفاً ناطقاً لمدينة شبام.

*السيرة الذاتية *

– *الاسم:* علوي عبدالله بن سميط – أبو عبدالله

– *الميلاد:* شبام حضرموت – 1960م / 1382هـ

– *المؤهل:* دبلوم علوم سياسية واجتماعية من هافانا – كوبا 1985/1986م، ودورات صحفية وإعلامية من 1979م حتى 2004م.

– *المسيرة الوظيفية:* عمل في الإحصاء والتعاونية الاستهلاكية، ثم في الإرشاد الزراعي – إدارة الإعلام بمشروع وادي حضرموت، ثم متفرغاً لمنظمة لجان الدفاع الشعبي، وآخر وظيفة حتى التقاعد 2014م بالهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية – شبام، رئيس قسم الدراسات والتوثيق ثم مدير العلاقات والإعلام.

– *المسيرة الإعلامية:* مراسل إذاعة سيئون منذ 1976م حتى اليوم، خطاط ورسام وكاتب قصة، ترأس فرقة شبام الموسيقية في الثمانينيات، مسؤول ثقافي ورئيس نادي الطليعة سابقاً (نادي شبام حالياً)، المحرر الأول لصحيفة الأيام بوادي حضرموت، باحث متخصص بمدينة شبام، له إصدار *“شبام المدينة المسورة”* وآخر مشترك *“شبام.. انطباعات الأجانب”*، رئيس منتدى شبام الثقافي، عضو مجلس الشعب المحلي بسيئون 1987م.

– *العمل المجتمعي والنقابي:*  الناطق الرسمي للمخيمات الطبية بحضرموت لجمعية حضرموت الخيرية بعدن ، عضو اتحاد الأدباء وكتاب الجنوب، عضو المجلس العام وعضو المكتب التنفيذي ورئيس الدائرة الإعلامية لنقابة الصحفيين الجنوبيين 2023م.

– *المشاركات الخارجية:* ندوة التنوع الثقافي بواشنطن 2003م، دورة مجلس عمان 2005م، وفد اليمن لجائزة الآغا خان بماليزيا 2007م.

– *الجوائز:* المركز الأول لمسابقة الاتحاد الأوروبي للصحفيين باليمن 2003م من بين 25 صحفياً، الميدالية الذهبية وشهادات في محو الأمية، تكريم يوبيل إذاعة سيئون الذهبي، تكريم وزارة الثقافة في تريم عاصمة الثقافة الإسلامية 2010م، تكريم منتدى بدوي زبير، دروع رواد الإعلام الرياضي، وتكريمات عديدة من فرق وجهات رسمية وأهلية.

*ختاماً.. كلمة وفاء لهامة لم تنل حقها*

إن هذه السيرة غيض من فيض لرجل أفنى عمره في خدمة حضرموت قلماً وصوتاً وصورة.

إن الهامة الحضرمية *علوي بن سميط* لم تنل حقها من التكريم المناسب رغم ما قدمه، وهذه مأساة مبدعينا في هذا الوطن، يُتركون دون التفات، بينما في الدول القريبة يُحتفى بالمبدع ويُكرم ويُجعل في مقدمة الصفوف، لأن الأمم التي لا تكرم مبدعيها لا تحفظ تاريخها.

علوي قامة تستحق أكثر من تكريم، يستحق أن يُطلق اسمه على قاعة ثقافية، وأن يُطبع أرشيفه، وأن يُكرم بما يليق.

حفظ الله أبا عبدالله وأطال في عمره، ورحم الله صديق دربه جوهرة الطرب الحضرمي بدوي زبير، وبقيا معاً كما كانا دائماً.. *القلم والنغم.. وجه حضرموت المشرق.*

إغلاق