اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

لماذا نبكي الراحلين؟! لديّ أشياء لم أعطها… وعبارات لم أقلها!

لماذا نبكي الراحلين؟! لديّ أشياء لم أعطها… وعبارات لم أقلها!

بفلم / د. أحمد بن عبدالله باصهي


أكاديمي وباحث في علم الاجتماع الإداري

لماذا نبكي الراحلين؟

سؤال يبدو لأول وهلة ساذجًا؛ فالجواب حاضر: نبكيهم لأننا فقدناهم.

لكن شيئًا في أعماق النفس يقول إن الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك.

فنحن لا نبكي الراحل وحده، بل نبكي أشياء كثيرة ترحل معه: كلمةً جميلة لم نقلها، وزيارةً أجّلناها، واعتذارًا ظل عالقًا في الحلق، ويدًا كان ينبغي أن نمدها فتأخرنا، ومحبةً كانت في القلب ولم تجد طريقها إلى اللسان.

نحن، في بعض بكائنا، نبكي ما لم نفعله أكثر مما نبكي ما فعلناه.

ولعل لهذا السبب يكون الموت كاشفًا عجيبًا للمشاعر؛ فما إن يرحل الإنسان حتى تُفتحَ دفاترُ كانت مغلقة، وتتدفق الكلمات التي استعصت طويلًا، ويكتشف الناس فجأة كم كان الراحل كريمًا، وطيبًا، ونبيلًا، وقريبًا إلى قلوبهم.

لكن السؤال الموجع:

أكان يعرف كل ذلك وهو حي؟

كم من إنسان عاش بيننا وهو يظن أنه عابر في حياتنا، ثم اكتشفنا بعد موته أنه كان جزءًا أصيلًا من تفاصيلها!

وكم من أبٍ لم يسمع من أبنائه بعض ما قيل عنه بعد رحيله، وأمٍّ كانت تنتظر زيارة قصيرة فضاقت بها الأيام، وصديقٍ كان يكفيه اتصال صغير ليعرف أن مكانه ما زال محفوظًا في القلب.

ثم يموت أحدهم…

وفجأة يصبح لدينا وقت لكل شيء.

وقت لنجتمع من أجله، ووقت لنتحدث عنه، ووقت لنستعيد مواقفه، ووقت لنكتب الصفحات في مناقبه، وربما نجد المال لإقامة ما يليق بذكراه.

لكن الإنسان الذي أصبح محور كل هذا الاهتمام لم يعد موجودًا ليراه.

وهنا تكمن واحدة من أكثر مفارقات الحياة إيلامًا:

قد نكون أكثر سخاءً مع موتانا منا مع أحيائنا.

سمعت مرة قصة رجل لبناني أنهكه المرض وأثقلت الحاجة أسرته. كان في أيامه الأخيرة أحوج ما يكون إلى السؤال والمواساة والعون. وحين مات، امتلأ المكان بالمعزين، وأقيمت الموائد، وتتابعت كلمات الوفاء والثناء.

وكان السؤال الذي يختصر المأساة كلها:

ماذا لو وصل شيء من هذا الكرم إليه قبل أن يموت؟

ليست القضية في مجلس عزاء ولا في مائدة؛ فهذه من عادات المواساة والتكافل، وإنما في ذلك التناقض الإنساني الغريب: أن نملك للإنسان بعد رحيله من الوقت والكلمات والمشاعر ما لم نستطع أن نعطيه بعضه وهو بين أيدينا.

وحين يعود المرء من المقبرة، ويهدأ ضجيج المعزين، ويبقى وحيدًا مع ذاكرته، ربما لا يجد عبارة أصدق من أن يقول:

لديّ أشياء لم أعطها… وعبارات لم أقلها!

أشياء لم أعطها…

ليست بالضرورة مالًا أو هدايا؛ ربما كانت وقتًا لم أبذله، وزيارةً أجّلتها، ويدًا كان ينبغي أن أمدها، وموقفًا كان ينتظر مني الوفاء، وحضورًا كان سيعني الكثير لإنسان أحببته.

وعبارات لم أقلها…

أحبك.

شكرًا لأنك كنت هنا.

سامحني.

أنا فخور بك.

وجودك في حياتي كان جميلًا.

عبارات قصيرة جدًا، لا تكلفنا شيئًا حين يكون أصحابها أحياء، ثم تصبح بعد رحيلهم من أثقل الكلمات على القلب؛ لأننا نستطيع أن نقولها ألف مرة، ولا يستطيع صاحبها أن يسمعها مرة واحدة.

وهنا نفهم شيئًا من سر بكائنا:

فنحن لا نبكي فقط إنسانًا رحل؛ بل نبكي معه عطاءً لم يصل، وكلامًا لم يُسمع، وفرصًا كان لها موعد معنا فأضعناه.

كأن الموت لا يأخذ منا أحبتنا وحدهم، بل يأخذ معه أيضًا إمكانية التدارك.

ولعل هذا ما يجعل رحيل الأحبة يهدم في داخلنا وهمًا قديمًا اسمه:

ما زال هناك وقت.

سنزوره لاحقًا.

سأتصل به غدًا.

سأقول له يومًا كم أحبه.

سأشكره عندما أراه.

سأعتذر منه في اللقاء القادم.

سأجلس مع أبي طويلًا حين تخف مشاغلي.

سأقبّل رأس أمي في الزيارة المقبلة.

سأصل ذلك الصديق الذي طال انقطاعي عنه.

ثم يأتي الموت، ولا يعترف بكلمة «سوف».

وفجأة يتحول المستقبل الذي راهنّا عليه إلى ماضٍ لا نستطيع تغييره.

عندها نفهم أن بعض دموعنا ليست دموع الفقد وحده، وإنما ديون محبة مؤجلة حلّ موعد استحقاقها، ولم يعد صاحبها موجودًا ليستوفيها.

ولهذا يبدو الندم بعد الموت مختلفًا عن كثير من ألوان الندم؛ فمعظم أخطاء الحياة يمكن إصلاحها: تستطيع أن تعتذر، وأن تعود، وأن تعوّض، وأن تبدأ من جديد.

إلا مع الموت.

فثمة باب إذا أُغلق، بقيت الكلمات واقفة أمامه إلى الأبد.

ولعل هذا هو السر في تلك الرغبة العارمة التي تنتابنا بعد رحيل من نحب في أن نتحدث عنهم. نروي مواقفهم، وننشر صورهم، ونكتب عن خصالهم، ونستعيد ضحكاتهم وكلماتهم الصغيرة.

نحاول، بطريقة ما، أن نقول لهم متأخرين:

لقد عرفنا الآن كم كنتم مهمين.

لكن ما أقسى كلمة «الآن» حين تأتي بعد الرحيل!

والمشكلة ليست أننا لا نحب.

بل ربما نحب كثيرًا.

لكننا نتصرف وكأن من نحبهم يعرفون ذلك بالضرورة.

نخبئ الحب في الصدور وكأنه لا يحتاج إلى إعلان، ونؤجل الامتنان لأن المناسبة لم تأتِ، ونؤخر الزيارة لأن المشاغل كثيرة، ونحسب أن العلاقات الراسخة لا تحتاج إلى صيانة.

حتى يأتي الغياب فيعلّمنا أن المشاعر التي لا تصل إلى أصحابها في وقتها قد تتحول يومًا إلى مراثٍ جميلة… ولكنها متأخرة.

وهنا يعود السؤال من جديد:

لماذا نبكي الراحلين؟

لأننا نحبهم، بلا شك.

ولأن الفقد موجع، ولأن القلب لا يتعلم بسهولة كيف يعيش وفيه مكان كان يسكنه إنسان ثم خلا منه.

ولكن ربما كان في بعض دموعنا شيء آخر أيضًا:

نبكي لأن الموت أجبرنا على أن نرى قيمةً كانت أمام أعيننا ولم نرها بما يكفي.

نبكي لأن كلمةً كان يمكن أن تسعد قلبًا لم نقلها.

نبكي لأن زيارةً كان يمكن أن تحدث لم تحدث.

نبكي لأن يدًا كان يمكن أن تمتد بقيت في مكانها.

ونبكي لأننا اكتشفنا، بعد فوات الأوان، أن العمر لم يكن طويلًا كما كنا نظن.

ولذلك فليس المقصود أن نعيش مذعورين من الموت، ولا أن نحول علاقاتنا إلى وداعات مستمرة، وإنما أن نستعيد حساسية الإنسان تجاه النعمة ما دامت بين يديه.

أن نقول الكلمة الجميلة في وقتها.

أن نزور قبل أن تصبح الزيارة مستحيلة.

أن نشكر من يستحق الشكر وهو قادر على سماعه.

أن نعتذر قبل أن يصبح الاعتذار حديثًا مع صورة معلقة على الجدار.

وأن ندرك أن بعض الناس لا يحتاجون منا أشياء عظيمة؛ ربما يحتاجون فقط إلى أن يعرفوا أنهم محبوبون.

فإذا كان في قلبك اليوم امتنان لإنسان، فلا تؤجله.

وإذا كان فيه حب، فعبّر عنه.

وإذا كان بينك وبين أحدهم جفاء تستطيع إصلاحه، فلا تراهن كثيرًا على الغد.

فالذين نحبهم لا يحتاجون إلى أجمل كلماتنا بعد رحيلهم بقدر حاجتهم إلى بعضها وهم أحياء.

وحين يرحل الأحبة سنبكيهم، نعم؛ فالحب الذي لا يتألم للفقد حب لم يعرف تمام معناه.

ولكن ثمة فرقًا كبيرًا بين دمعة تقول:

اشتقت إليك.

ودمعة تقول:

ليتني فعلت… وليتني قلت.

الأولى دمعة وفاء لمن أحببناه وفقدناه.

أما الثانية، ففيها شيء من حسرة على ما كان في وسعنا أن نفعله ولم نفعل.

فلا تجعل في دفترك، حين يرحلون:

أشياء لم تعطها… وعبارات لم تقلها.

قلها الآن.

وافعلها الآن.

وأحبهم وهم قادرون على أن يشعروا بحبك.

فبعض ديون المحبة إذا تأخر سدادها، لا يبقى لنا منها بعد الرحيل…

إلا البكاء.

إغلاق