اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

السعودية بين هرمز وباب ش…

السعودية بين هرمز وباب ش…

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
19 سبتمبر 2026

حين أصبح الشرق والغرب يتنافسان على الرياض

من يتابع الأحداث منفصلة قد يراها أخباراً لا رابط بينها: توتر في مضيق هرمز، الحوثي وباب المندب، تحرك سعودي تجاه الصين، تدخل صيني لدى إيران، ثم موافقة أمريكية محتملة على بيع المملكة 48 مقاتلة F-35.

لكن السياسة لا تُقرأ بالخبر منفرداً.

السياسة تُقرأ بربط النقاط.

ومن يتأمل ما جرى خلال الأشهر الماضية، ويعود إلى ما كتبته سابقاً عن مضيق هرمز ثم اليمن والبحر الأحمر وباب المندب، سيجد أن الأحداث تقود إلى سؤال استراتيجي واحد:

كيف تبني السعودية أمنها بحيث لا يصبح قرارها الاقتصادي والسياسي رهينة مضيق، أو دولة، أو حليف واحد؟

هذا، في تقديري، مفتاح فهم ما يحدث.

من هرمز بدأت الحكاية

عندما كتبت مطلع سبتمبر 2026 عن مضيق هرمز، لم أنظر إليه باعتباره ممراً بحرياً فقط، بل مفتاحاً جغرافياً يستطيع من يهدده أن يضغط على الخليج بأكمله.

وقد أدركت السعودية هذه الحقيقة منذ عقود، فبنت خط الشرق–الغرب لنقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر متجاوزاً هرمز.

كانت الفكرة واضحة:

لا تضع شريانك الاقتصادي في يد بوابة واحدة.

لكن ماذا يحدث إذا أصبح البديل نفسه معرضاً للتهديد؟

هنا يظهر باب المندب.

فإذا كان هرمز بوابة الخليج الشرقية، فإن البحر الأحمر وباب المندب يمثلان البوابة الغربية الأهم للمملكة. وعندما يصبح الضغط ممكناً من الشرق والغرب معاً، فنحن لم نعد أمام حرب يمنية داخلية أو أزمة إيرانية منفصلة.

بل أمام قضية تمس الأمن القومي السعودي وأمن الطاقة والتجارة العالمية.

اليمن أكبر من صنعاء

من الخطأ قراءة حرب اليمن من داخل الخريطة اليمنية فقط.

اليمن لا يملك حدوداً طويلة مع المملكة فحسب؛ بل يطل على أحد أخطر الممرات البحرية في العالم.

ومن يمتلك قدرة عسكرية مستقرة على الساحل الغربي والجزر والمخا ومحيط باب المندب يستطيع التأثير في حركة بحرية تمس السعودية ومصر وقناة السويس والقرن الأفريقي والتجارة بين آسيا وأوروبا.

ولهذا لم يعد السؤال فقط:

من يحكم صنعاء؟

هناك سؤال استراتيجي موازٍ:

من يستطيع التأثير في باب المندب والبحر الأحمر؟

وهنا تتغير قراءة الحرب.

الرياض تلعب الورقة الصينية

في 17 سبتمبر 2026 كشفت رويترز، نقلاً عن ثلاثة مصادر إيرانية مطلعة، أن السعودية طلبت من الصين التدخل لدى طهران لكبح الحوثيين بعد التطورات على ساحل البحر الأحمر وباب المندب.

وبحسب المصادر، تحركت بكين وضغطت على إيران لاستخدام نفوذها لدى الحوثيين لتجنب تصعيد يهدد الطاقة والتجارة.

هذه الخطوة تستحق التأمل.

السعودية لم تطلب من الصين أن تحل محل أمريكا، ولم تعلن انتقالها من الغرب إلى الشرق.

بل فعلت شيئاً أكثر ذكاءً:

ذهبت إلى القوة التي تمتلك نفوذاً اقتصادياً على الطرف المطلوب التأثير عليه.

الصين لديها مصالح ضخمة مع السعودية، وعلاقة اقتصادية مؤثرة مع إيران، وتحتاج في الوقت نفسه إلى أمن طرق الطاقة والتجارة.

وهكذا تحولت المصلحة الصينية نفسها إلى ورقة في يد الدبلوماسية السعودية.

وكأن الرياض تقول لبكين:

إذا كان استقرار الخليج والبحر الأحمر ضرورياً لاقتصادكم، فإن منع انفجار هذه الممرات ليس خدمة للسعودية فقط.

إنه دفاع عن مصالحكم أنتم أيضاً.

وهذه هي السياسة في أعلى مستوياتها:

أن تجعل مصالح الآخرين تعمل لمصلحة بلادك.

وفي اليوم نفسه… الـF-35

ثم جاء حدث يجعل التوقيت جديراً بالتأمل.

أعلنت الولايات المتحدة موافقتها على صفقة محتملة للسعودية بقيمة تقارب 24.3 مليار دولار، تشمل 48 مقاتلة F-35 و49 محركاً، إلى جانب المعدات والدعم والتدريب.

وهنا يجب أن نكون دقيقين.

طلب السعودية للـF-35 سابق للتحرك الأخير مع الصين؛ لذلك لا توجد أدلة منشورة تسمح بالجزم بأن واشنطن وافقت على الصفقة بسبب بكين.

لكن السؤال الأهم:

هل أصبحت واشنطن تدرك بصورة أكبر أن الرياض تمتلك اليوم خيارات استراتيجية حقيقية إذا لم تجد احتياجاتها لدى شريك واحد؟

هنا يصبح التوقيت مهماً.

فالقوة التفاوضية للدولة لا تأتي فقط مما تملكه، وإنما أيضاً مما يمكن للطرف الآخر أن يخسره إذا تجاهلها.

والـF-35 ليست مجرد طائرة.

إسرائيل هي المشغل الوحيد حالياً لها في الشرق الأوسط، وظل الحفاظ على ما تسميه واشنطن «التفوق العسكري النوعي الإسرائيلي» عنصراً أساسياً في سياسة التسليح الأمريكية في المنطقة.

لذلك فإن وصول ملف 48 مقاتلة F-35 للسعودية إلى هذه المرحلة يحمل دلالة تتجاوز قيمة الصفقة نفسها.

الصين ليست بديلاً عن أمريكا

هنا يخطئ كثير من المحللين عندما يسألون:

هل تتجه السعودية إلى الصين وتبتعد عن أمريكا؟

لماذا يجب على المملكة أن تختار أحدهما؟

السعودية تستطيع أن تكون شريكاً استراتيجياً للولايات المتحدة، وشريكاً اقتصادياً كبيراً للصين، وتتعاون مع أوروبا وآسيا، وتتحاور مع إيران عندما تقتضي المصلحة وتختلف معها عندما تقتضي المصلحة.

هذا ليس تناقضاً.

هذا يسمى:

استقلال القرار.

فالدولة التي لا تمتلك إلا طريقاً واحداً تقل قدرتها على المناورة.

أما الدولة التي تمتلك شبكة من العلاقات والمصالح والقدرات الذاتية، فإن الجميع يحسب حساب خسارتها.

رؤية 2030… البعد الذي لا نراه

كثيرون قرأوا رؤية السعودية 2030 باعتبارها مشروعاً اقتصادياً: سياحة، صناعة، تقنية، استثمار وتنويع لمصادر الدخل.

لكنني أرى نتيجة استراتيجية أعمق تتشكل بالتوازي:

بناء الاستقلال الاستراتيجي السعودي.

فالاقتصاد المتنوع يمنح القرار مساحة أوسع.

والصناعة الوطنية تزيد القدرة على الصمود.

وتوطين الصناعات العسكرية يقلل الاعتماد على الخارج.

وتعدد الشركاء يحد من قدرة أي شريك منفرد على ممارسة الضغط.

وتطوير الموانئ والسكك وخطوط الأنابيب والممرات اللوجستية يصنع البدائل.

وكلما زادت بدائل الدولة، اتسع استقلال قرارها.

السعودية بين مضيقين

وهذه في رأيي أهم فكرة في المقال:

هرمز شرقاً.

باب المندب غرباً.

وبينهما المملكة العربية السعودية.

هذه ليست مجرد جغرافيا.

إنها معادلة أمن قومي.

إذا تعرض هرمز للتهديد، تحتاج المملكة إلى البحر الأحمر. وإذا تعرض البحر الأحمر للضغط عبر باب المندب، تصبح الحاجة أكبر إلى القوة والبدائل والتحالفات التي تمنع إغلاق المجالين معاً.

ولهذا فإن الأمن السعودي في العقود المقبلة لن يعني حماية الحدود فقط.

بل حماية شبكة وصول المملكة إلى العالم:

الطاقة، والأنابيب، والموانئ، والبحر الأحمر، والخليج، والمطارات، والتحلية، والاتصالات، والطرق البحرية والجوية.

كلها أجزاء من منظومة واحدة.

ثلاثة أحزمة للأمن السعودي

ومن قراءة المشهد يمكن تصور الأمن السعودي ضمن ثلاثة أحزمة مترابطة.

الأول هو الداخل السعودي: حماية منشآت الطاقة والمياه والموانئ والمطارات والاتصالات، وتطوير دفاع متعدد الطبقات ضد الصواريخ والمسيّرات والهجمات السيبرانية.

والثاني هو المحيط الإقليمي المباشر: الخليج واليمن والبحر الأحمر والقرن الأفريقي والعراق والأردن؛ لأن التهديد عندما يصل إلى الحدود تصبح كلفة التعامل معه أكبر.

أما الثالث فهو شبكة القوى الكبرى: الولايات المتحدة والصين وأوروبا والقوى الآسيوية.

وهنا تكمن قوة السياسة السعودية:

ألا تطلب من العالم حماية المملكة فقط، بل تجعل العالم يرى أن استقرار السعودية جزء من حماية مصالحه هو.

هذه هي «ضربة المعلّم»

ضربة المعلّم ليست أن تغضب من أمريكا فتذهب إلى الصين، ولا أن تختلف مع الصين فتعود إلى أمريكا.

هذه سياسة ردود أفعال.

أما الاستراتيجية فهي:

أن تجعل واشنطن حريصة على استمرار شراكتها معك، وتجعل بكين حريصة على استقرارك، وتجعل أوروبا تحتاج إلى طاقتك وممراتك، بينما تبني أنت قوتك الذاتية حتى لا تصبح رهينة لأي طرف.

عندها لا تكون تابعاً للشرق.

ولا تابعاً للغرب.

بل تصبح قوة مستقلة يقصدها الاثنان.

الخلاصة

عندما أنظر إلى ما يحدث من هرمز إلى باب المندب، ومن الرياض إلى بكين وواشنطن، لا أرى أحداثاً منفصلة.

أرى لوحة بدأت تفاصيلها تتضح.

وما كتبته سابقاً عن هرمز، ثم عن اليمن والبحر الأحمر، كان في جوهره أجزاء من سؤال واحد أكبر:

كيف تحمي السعودية قرارها وسيادتها ومصالحها في عالم تتغير فيه التحالفات بسرعة؟

والجواب الذي يتشكل أمامنا:

بالحكمة.

وبعد النظر.

وببناء القوة.

وبتنويع الخيارات.

وبعدم وضع مفاتيح المملكة في يد دولة واحدة.

فالسعودية لا تحتاج أن تنتقل من الغرب إلى الشرق.

السعودية تحتاج أن تجعل الشرق والغرب يتنافسان على شراكتها.

ولا تحتاج أن تبحث عن مظلة جديدة كلما تغيرت الظروف.

بل أن تبني مظلتها السعودية، ثم تختار من يشاركها المصالح تحتها.

هذه هي السعودية التي تتشكل أمامنا:

دولة لا تنتظر أين ستأخذها الأحداث…

بل تقرأ ما وراء الأحداث، وتستعد لما بعدها، وتصنع خياراتها قبل أن تحتاج إليها.

وهنا يكمن الفرق بين إدارة الأزمة…

وصناعة الاستراتيجية.

*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*

إغلاق