اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

كيف يمكن لحضرموت أن تستعيد دورها بتحويل شبكتها العالمية القديمة إلى قوة مؤسسية حديثة؟

كيف يمكن لحضرموت أن تستعيد دورها بتحويل شبكتها العالمية القديمة إلى قوة مؤسسية حديثة؟

بقلم / محمود يسلم عباد
الجمعة 18 سبتمبر 2026

قراءة تاريخية في الهجرة والاقتصاد والتحولات السياسية وانقطاع الصلة بين حضرموت وشتاتها

بقلم: د. محمود علي يسلم باعباد – شبام حضرموت

لم تكن حضرموت، عبر تاريخها الحديث، مجرد إقليم يقع في الطرف الجنوبي من الجزيرة العربية، بل كانت جزءًا من شبكة واسعة امتدت عبر المحيط الهندي والبحر الأحمر والخليج وشبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا.
فقد نشأت عبر قرون هجرات حضرمية متتابعة إلى الهند وشرق أفريقيا والحجاز والخليج وجنوب شرق آسيا، وتحولت هذه الهجرات تدريجيًا إلى مجتمعات مستقرة وشبكات تجارية وعلمية ودينية وعائلية. ولم تكن الهجرة في التجربة الحضرمية انفصالًا كاملًا عن الوطن، بل كانت في كثير من الأحيان وسيلة لإعادة إنتاج الصلة به.
وتوضح الدراسات المتعلقة بالهجرة الحضرمية أن العلاقة بين المهاجرين وحضرموت لم تكن مجرد علاقة أصل بمهجر، وإنما تضمنت تحويلات مالية واستثمارات ومبادرات علمية ودينية وانتقالًا للأفكار والمؤسسات بين الوطن والشتات.
ومن هنا يمكن فهم أحد أهم عناصر القوة التاريخية للحضارم: لم تكن قوة حضرموت محصورة في سكانها داخل حدودها الجغرافية، وإنما في قدرتها على إنتاج شبكة بشرية تتجاوز تلك الحدود.
كان الحضرمي يغادر حضرموت، لكنه لا يخرج بالضرورة من دائرتها. يتاجر في بلد آخر، ويرسل المال إلى أسرته، ويشتري أرضًا، ويبني منزلًا، ويمول مسجدًا أو مدرسة، ويرسل أبناءه أحيانًا إلى حضرموت للتعلم، ثم يعود بعضهم إلى المهجر.
وهكذا تشكلت دورة تاريخية متكاملة:
هجرة، ثم نجاح، ثم تحويلات واستثمار، ثم تعليم وصلة عائلية، ثم عودة أو إعادة إنتاج للهجرة.
وبفضل هذه الدورة أصبحت حضرموت، اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا، أكبر من حدودها الجغرافية.
شبكة حضرمية عابرة للحدود
لا يمكن تفسير الانتشار الحضرمي بعامل واحد. فقد تداخلت الظروف الاقتصادية والبيئية، والبحث عن التجارة والعمل، والتعليم الديني، وروابط القرابة والزواج، في تكوين هذه الهجرات.
ومع مرور الزمن لم تعد الهجرة مجرد حركة أفراد. فقد نشأت مجتمعات حضرمية في مناطق مختلفة من العالم، وبرز أفراد وأسر حضرمية في التجارة والتعليم والدعوة والحياة الاجتماعية.
وفي جنوب شرق آسيا خصوصًا، أصبح للحضارم حضور اقتصادي واجتماعي وديني واضح، وشاركوا في الحياة العامة للمجتمعات التي استقروا فيها.
لكن الأهم بالنسبة إلى حضرموت نفسها أن المهاجر لم يكن بالضرورة يقطع علاقته بالوطن. فقد ظلت التحويلات المالية والزيارات والتعليم والأوقاف وشراء الأراضي وبناء المنازل والروابط العائلية قنوات مستمرة بين المهجر وحضرموت.
وهكذا لم يكن «المهجر» مكانًا منفصلًا تمامًا عن الوطن، وإنما كان امتدادًا له.

1967 والتحول الكبير

مثّل عام 1967 نقطة تحول حاسمة في تاريخ جنوب اليمن.
فبعد انتهاء الحكم البريطاني وإعلان الاستقلال، دخل الجنوب مرحلة سياسية جديدة انتهت إلى قيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. ومع صعود التيار اليساري اتجه النظام تدريجيًا نحو إعادة تنظيم المجتمع والاقتصاد وفق سياسات اشتراكية أكثر جذرية.
وشملت هذه المرحلة إصلاحات في ملكية الأراضي، وتأميم البنوك وشركات التأمين والمؤسسات التجارية الكبرى، وإعادة تنظيم قطاعات الزراعة والتجارة والنقل والحرف ضمن مؤسسات الدولة والتعاونيات.
وكان لهذه التحولات أهداف معلنة تتعلق بإعادة توزيع الثروة وتقليص التفاوت الاجتماعي وتوسيع ملكية الدولة.
غير أن السؤال التاريخي لا يتعلق بالأهداف وحدها، وإنما بما أحدثته هذه السياسات في البنية الاجتماعية والاقتصادية التي كانت قد تشكلت في حضرموت عبر أجيال.
عندما تغيرت بنية المجتمع
كان التاجر الحضرمي أكثر من مجرد صاحب متجر، وكان مالك الأرض أكثر من مجرد مالك عقار، كما كان العالم والوجيه وصاحب الوقف يؤدون وظائف تتجاوز أدوارهم الفردية.
فالتاجر قد يوفر رأس المال، ويستقدم أقاربه، ويمول التعليم، ويدعم المسجد أو المدرسة، ويربط الداخل بالمهجر. والعالم يمثل مركزًا للتعليم والعلاقات الدينية، والوجيه يؤدي أدوار الوساطة وحل النزاعات، بينما يوفر الوقف موردًا مستمرًا للتعليم والخدمات الاجتماعية.
لذلك فإن إعادة تشكيل الملكية والمؤسسات لم تكن مجرد عملية اقتصادية.
لقد أعادت توزيع أدوار اجتماعية كانت تؤديها شبكة واسعة من الأسر والتجار والعلماء والأعيان.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن مرحلة ما بعد الاستقلال شهدت خروج عدد من التجار وأصحاب رؤوس الأموال وأفراد من الطبقات الاجتماعية السابقة إلى خارج البلاد، مع انتقال جزء من النشاط الاقتصادي إلى بيئات أخرى.
وهنا بدأت العلاقة بين رأس المال الحضرمي والوطن تتغير.
فالمهاجر الذي كان يرى حضرموت مجالًا طبيعيًا لإعادة استثمار جزء من نجاحه، أصبح أمام بيئة اقتصادية وسياسية مختلفة عن البيئة التي عرفتها الأجيال السابقة.

رأس المال والثقة

لم يكن أثر هذه التحولات محصورًا في خسارة متجر أو أرض أو مؤسسة.
فالاقتصاد يقوم على الملكية، لكنه يقوم أيضًا على الثقة.
وحين تتغير قواعد الملكية بصورة جذرية، أو تصبح الاستثمارات الخاصة محدودة، أو تخرج طبقات اقتصادية بأكملها من المجال العام، فإن ذلك يؤثر في قرارات رأس المال وفي علاقة المستثمر بوطنه.
وهنا يمكن فهم أحد التحولات المهمة في التجربة الحضرمية: انتقال جزء من العلاقة بين المهاجر والوطن من الاستثمار والمشاركة في البناء إلى تحويلات أسرية ومساعدات فردية.
وهذا فرق كبير.
فالأموال التي تصل إلى الأسرة تساعدها على الاستمرار، لكن الاستثمار الذي ينشئ شركة أو مصنعًا أو مؤسسة تعليمية يخلق أثرًا اقتصاديًا أوسع وأكثر استدامة.
انقطاع بعض الجسور مع المهجر
لم تكن الصلة بين حضرموت وشتاتها اقتصادية فقط، بل كانت أيضًا تعليمية ودينية وثقافية.
وكانت حركة الطلاب والعلماء بين حضرموت وجنوب شرق آسيا، على سبيل المثال، إحدى القنوات المهمة التي حافظت على الصلة الثقافية بين الأجيال.
فقد كان أبناء الأسر الحضرمية في المهجر يأتون إلى حضرموت لتعلم العربية والعلوم الدينية والتعرف إلى بيئتهم الأصلية، ثم يعودون إلى مجتمعاتهم حاملين معهم اللغة والمعرفة والعلاقات.
لكن هذه الحركة تعرضت لضعف وانقطاع طويل خلال العقود التي أعقبت قيام النظام الاشتراكي في جنوب اليمن.
وتظهر الدراسات الخاصة بالحضارم في إندونيسيا أن العلاقات التعليمية والدينية مع حضرموت بدأت تستعيد نشاطها بعد الوحدة اليمنية عام 1990، عندما أصبح السفر إلى حضرموت للدراسة أكثر سهولة، وعادت مؤسسات وشبكات دينية وتعليمية إلى العمل عبر الحدود.
ولذلك فإن انقطاع حركة الطلاب لم يكن مجرد مسألة تعليمية؛ فقد كان له أثر في استمرار الذاكرة والهوية والعلاقات بين الأجيال.
الهجرة التي تغير معناها
كانت الهجرة الحضرمية القديمة، في كثير من الحالات، وسيلة لتوسيع المجال الحضـرمي في العالم.
يخرج الإنسان من حضرموت، لكنه يبقى مرتبطًا بها من خلال الأسرة والمال والعلم والزيارة والاستثمار.
ومع تغير الظروف السياسية والاقتصادية بدأت هذه الدورة تتغير.
يولد الابن في المهجر، ويدرس فيه، ويعمل فيه، وينشئ مصالحه الاقتصادية والاجتماعية هناك. ثم يأتي الجيل التالي وقد أصبحت علاقته بحضرموت ثقافية وعائلية أكثر منها اقتصادية ومؤسسية.
ولا يعني ذلك أن أبناء الشتات تخلوا عن أصلهم، بل يعني أن المؤسسات التي كانت تعيد إنتاج الصلة بالوطن عبر الأجيال أصبحت أضعف.
وهكذا بقي الحضارم في العالم، لكن أصبحت نسبة أكبر من نجاحهم الاقتصادي مرتبطة بالمؤسسات والاقتصادات المحلية في البلدان التي يعيشون فيها.
العالم كان يتغير أيضًا
ومع ذلك، لا يمكن تحميل التحولات السياسية في جنوب اليمن وحدها مسؤولية تراجع النموذج الحضـرمي القديم.
فالعالم نفسه كان يتغير بصورة عميقة.
استقلت الهند وإندونيسيا وبلدان شرق أفريقيا، وظهرت دول وطنية جديدة، وتغيرت قوانين الجنسية والهجرة، وتراجعت بعض أنماط التجارة التقليدية، وأصبحت حركة رأس المال أكثر ارتباطًا بالمؤسسات القانونية والمصرفية الحديثة.
وفي الوقت نفسه انتقل الاقتصاد العالمي بصورة متزايدة من شبكات التجار التقليدية إلى الشركات والمؤسسات العابرة للحدود.
وبالتالي كانت الشبكات الحضرمية أمام تحدٍ مزدوج: تحولات عالمية كبرى، وتحولات سياسية واقتصادية داخل حضرموت نفسها.
وكانت المشكلة أن التحول المؤسسي الذي كان يمكن أن ينقل الشبكات الحضرمية القديمة إلى مؤسسات اقتصادية حديثة لم يحدث بالقدر الذي كان يمكن أن يحافظ على مركزية حضرموت داخل هذه الشبكة.
من شبكة عالمية إلى نجاحات متفرقة
من المهم هنا التأكيد أن الحضارم لم يفقدوا قدرتهم على النجاح.
فالحضور الحضرمي استمر في السعودية وإندونيسيا وشرق أفريقيا والخليج وغيرها، وبرز أفراد ومؤسسات حضرمية ناجحة في مجالات التجارة والتعليم والدين والعمل العام.
لكن الذي تغير بدرجة أكبر هو ترابط هذه النجاحات مع حضرموت.
فالنجاح الفردي يمكن أن يستمر في أي مكان، لكن القوة الجماعية تحتاج إلى مؤسسات تجمع النجاحات الفردية وتحولها إلى قوة اقتصادية وعلمية وثقافية مشتركة.
ولهذا يمكن أن يكون هناك عدد كبير من الحضارم الناجحين في العالم، من دون أن تتحول هذه النجاحات بالضرورة إلى قوة حضرمية مركزية.
وهنا يكمن الفرق بين:
نجاح الحضارم في العالم، وقوة حضرموت في العالم.
ما الذي انكسر؟
إذا أردنا تلخيص التحول التاريخي، فلا ينبغي أن نقول إن الحضارم اختفوا أو فقدوا قدراتهم.
الذي تعرض للضعف كان منظومة أوسع:
الحضارم لم يختفوا.
والمجتمعات الحضرمية في الخارج لم تتوقف عن النجاح.
لكن العلاقة بين حضرموت وهذه المجتمعات تغيرت.
كانت حضرموت في الماضي مركزًا لشبكة عالمية يتحرك فيها المال والعلم والأشخاص والعلاقات في اتجاهات متعددة.
ثم جاءت تحولات سياسية واقتصادية عميقة بعد 1967، تزامنت مع تحولات عالمية في الدولة والهجرة والتجارة، فأضعفت أجزاء مهمة من هذه الدورة.
ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس:
أين ذهب الحضارم؟
بل:
كيف تغيرت العلاقة بين الحضارم وحضرموت؟
فالإنسان الحضرمي لم يفقد قدرته على بناء النجاح، والدليل موجود في مختلف أنحاء العالم.
لكن ما ضعف هو النظام الذي كان يحول نجاح آلاف الأفراد إلى قوة حضرمية مترابطة.
ومن هنا فإن استعادة الدور الحضـرمي في القرن الحادي والعشرين لا تعني إعادة الماضي كما كان، ولا مطالبة الحضارم بالعودة الجماعية إلى وطنهم.
بل تعني بناء مؤسسات حديثة تستطيع إعادة وصل هذه الشبكة العالمية:
مؤسسات استثمارية، وشبكات أعمال، ومراكز علمية، وبرامج تعليمية، ومؤسسات ثقافية، وقنوات قانونية وآمنة لربط رأس المال والخبرة والكفاءات الحضرمية بحضرموت.
فالحضارم لم يفقدوا العالم.
العالم الحضرمي ما زال موجودًا.
والتحدي الحقيقي هو إعادة بناء الجسر الذي يجعل هذا العالم قوة مترابطة، بحيث لا يبقى النجاح الحضرمي في الخارج مجرد نجاحات فردية متفرقة، وإنما يصبح جزءًا من نهضة حضرمية حديثة.
وهنا ربما تبدأ الإجابة عن السؤال الذي طالما تردد:
كيف يمكن لحضرموت أن تستعيد دورها، لا باستعادة الماضي، وإنما بتحويل شبكتها العالمية القديمة إلى قوة مؤسسية حديثة؟

إغلاق