59 عاماً على رحيل السلاطين الحضارمة.. هل غادر الحكم وبقيت المعضلة؟من سؤال «لعنة السلاطين» إلى سؤال أعمق: لماذا لا تزال حضرموت تبحث عن قرارها خارج أرضها؟
تاربة ــ اليوم /كتابات واراء
بقلم: عدنان بن عفيف
17سبتمبر 2026
في 17 سبتمبر 1967، غادر سلاطين حضرموت المشهد من بوابة المكلا، وانطوت صفحة سياسية امتدت عقوداً، لتبدأ صفحة أخرى من تاريخ حضرموت، حملت في بداياتها وعوداً كبيرة بالتغيير والازدهار، قبل أن تتوالى عليها تحولات سياسية عاصفة، وانقلابات وصراعات، وصولاً إلى الوحدة اليمنية وما تلاها من أزمات وحروب.
لكن بعد 59 عاماً، تبدو المفارقة أكثر قسوة من مجرد استعادة ذكرى تاريخية. رحل السلاطين، لكن السؤال الذي كان يفترض أن ينتهي برحيلهم لم ينتهِ. فحضرموت التي كان لها سلاطين يديرون شؤونها من أرضها، وجدت نفسها في مراحل لاحقة أمام أنماط مختلفة من إدارة القرار، حتى بات السؤال اليوم أكثر إلحاحاً: هل استطاعت حضرموت، بعد كل هذه العقود، أن تبني واقعاً سياسياً ومؤسسياً يجعل قرارها يصدر من المكلا وحضرموت، لا من عواصم أخرى؟ ليست هذه دعوة إلى استعادة السلطنة، ولا حنيناً إلى نظام سياسي تجاوزه التاريخ. إنها محاولة لقراءة المغزى الأعمق من ذلك اليوم.
لم تكن المسألة سلطاناً فقط
قد يكون من السهل اختزال 17 سبتمبر 1967 في صورة سلاطين غادروا عاصمتهم، وانتهت سلطتهم، لكن التاريخ أكثر تعقيداً من صورة واحدة. كانت حضرموت آنذاك تعيش في بيئة إقليمية ودولية مضطربة، وكانت السلطنة القعيطية، وعاصمتها المكلا، جزءاً من منظومة سياسية ارتبطت بالتوازنات البريطانية في جنوب الجزيرة العربية. وفي سبتمبر 1967، ومع تصاعد نفوذ الجبهة القومية، انتهى الحكم السلطاني في المكلا. وتشير المصادر التاريخية إلى أن سلطان القعيطي غالب الثاني كان آخر سلاطين الدولة القعيطية، وانتهى حكمه في 17 سبتمبر من ذلك العام. لكن الأهم من تفاصيل النهاية هو ما حدث بعدها. فالتغيير السياسي لم يكن مجرد استبدال شخص بشخص، أو أسرة سياسية بأخرى؛ بل كان انتقالاً إلى منظومات حكم جديدة، حملت معها مشاريع وشعارات وأفكاراً مختلفة، ثم توالت بعد ذلك مراحل تاريخية أخرى. وفي كل مرحلة كان هناك سؤال حضرمي مؤجل: أين تكون حضرموت في معادلة القرار؟
من رحيل السلاطين إلى اغتراب القرار
ربما هنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف. فبعد 59 عاماً من رحيل السلاطين، لا يزال الحضارمة يجدون أنفسهم أمام واقع سياسي يجعل كثيراً من قضاياهم الكبرى مرتبطة بمراكز قرار خارج حضرموت. تتغير الأسماء والأنظمة والظروف، لكن المعضلة الأساسية يمكن أن تبقى واحدة: هل تملك حضرموت القدرة المؤسسية والسياسية على إدارة شؤونها والتعبير عن مصالحها من داخلها؟ ليس المقصود بذلك الانعزال عن اليمن، ولا الانفصال عن محيطها العربي والإقليمي، ولا تجاهل طبيعة التوازنات السياسية التي تحيط باليمن وحضرموت. بل العكس تماماً. فكلما كانت حضرموت أكثر تنظيماً وتماسكاً ووضوحاً في رؤيتها، أصبحت أكثر قدرة على أن تكون شريكاً فاعلاً في أي تسوية وطنية، بدلاً من أن تكون مجرد ساحة تتقاطع فيها مشاريع الآخرين. وهنا يصبح القرار المحلي ليس نقيضاً للشراكة الوطنية، وإنما شرطاً من شروطها.
حضرموت التي صنعت حضورها خارج حدودها
المفارقة الأخرى أن حضرموت لا تفتقر إلى الإرث الذي يؤهلها لذلك. هذه الأرض التي أرسلت أبناءها عبر المحيطات إلى الهند وشرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا، وأسهموا في التجارة والعلم والثقافة وبناء المجتمعات، لم تكن يوماً أرضاً مغلقة على نفسها. بل كان الحضور الحضـرمي تاريخياً عابراً للحدود. لكن الفرق أن الحضارمة كانوا يذهبون إلى العالم من حضرموت، بينما تبدو حضرموت اليوم في أحيان كثيرة وكأنها تنتظر أن يأتيها القرار من خارجها. وهنا ينبغي أن يتحول الحنين إلى سؤال. لا يكفي أن نفتخر بتاريخ السلاطين، أو بقصورهم، أو بمآثر الرجال الذين سبقونا، ولا أن نستعيد صور الماضي كل عام.
السؤال الحقيقي هو: ماذا بقي من روح حضرموت السياسية والاجتماعية والمؤسسية بعد كل هذه التحولات؟ وهل استطاعت الأجيال المتعاقبة أن تبني مؤسسات أقوى من الأشخاص، ورؤية أبعد من اللحظة، وتوافقاً يتجاوز الاصطفافات الضيقة؟
ليست «لعنة السلاطين»… بل تراجيديا السياسة
ربما تبدو عبارة «لعنة السلاطين» جذابة صحفياً، لكنها لا تفسر شيئاً. فالتاريخ لا يعرف اللعنات، بقدر ما يعرف نتائج الخيارات السياسية، وتراكمات الأحداث، وموازين القوى، وقدرة المجتمعات على بناء مؤسساتها. لذلك فإن المعضلة ليست أن السلاطين رحلوا. المعضلة أن حضرموت لم تتمكن، حتى الآن، من إنتاج صيغة مستقرة ودائمة تجعل قرارها السياسي والاقتصادي والخدمي نابعاً من مؤسسات حضرمية قادرة على التعبير عن مصالح مجتمعها. وهذا لا يعني أن كل ما سبق كان فشلاً، ولا أن تاريخ ما بعد 1967 يخلو من الإنجازات أو التحولات المهمة. لكنه يعني أن السؤال ما زال مفتوحاً. فحين تتعدد القوى والمكونات والمرجعيات، ويغيب الإطار الجامع، تصبح حضرموت معرضة لأن تتحول من صاحب مصلحة إلى موضوع للتفاوض بين أصحاب المصالح. وهنا تكمن الخطورة.
ما الذي ينبغي أن نتعلمه من 17 سبتمبر؟
بعد 59 عاماً، ربما لم تعد أهمية هذا التاريخ في استعادة لحظة سقوط نظام أو رحيل سلاطين. أهميته في أن يذكّر الحضارمة بأن السلطة التي لا تتحول إلى مؤسسات لا تدوم، والتاريخ الذي لا يتحول إلى وعي لا يحمي المستقبل.
حضرموت اليوم ليست بحاجة إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. إنها بحاجة إلى التقدم إلى الأمام. بحاجة إلى رؤية استراتيجية واضحة، ومؤسسات قوية، وتوافق حضرمي حقيقي، وخطاب سياسي مسؤول، وإدارة رشيدة للموارد، وتمثيل يعبر عن المجتمع، وعلاقة متوازنة مع محيطها اليمني والعربي والإقليمي. وبحاجة قبل ذلك كله إلى أن يدرك أبناؤها أن الاختلاف بينهم لا ينبغي أن يتحول إلى فرصة للآخرين كي يقرروا عنهم.
رحل السلاطين.. فهل يبقى الدرس؟
في 17 سبتمبر 1967، غادر سلاطين حضرموت المكلا، وانتهى عهد سياسي كامل. لكن حضرموت لم تنتهِ. بقيت الأرض، وبقي الإنسان، وبقي البحر، وبقيت المدن والوديان والواحات، وبقي ذلك الإرث الحضـرمي الذي صنع لنفسه مكاناً في خرائط العالم قبل أن تكون خرائط السياسة الحديثة قد تشكلت. ولذلك فإن أفضل طريقة لقراءة ذكرى رحيل السلاطين ليست أن نسأل: ماذا لو بقي السلاطين؟ بل أن نسأل: ماذا لو نجحت حضرموت في أن تبني اليوم ما عجزت عن بنائه بالأمس؟ ماذا لو أصبح القرار الحضـرمي نتاج مؤسسات، لا نتاج أشخاص؟ وماذا لو تحولت المكلا من عاصمة جغرافية إلى عاصمة قرار ومؤسسات ورؤية؟ وماذا لو أدرك الحضارمة أن استعادة دور حضرموت لا تبدأ باستعادة الماضي، وإنما ببناء المستقبل؟ ذلك هو الاختبار الحقيقي. فالتاريخ لا يعود، والسلاطين رحلوا منذ 59 عاماً. لكن حضرموت لم ترحل. وما زال في الغد متسع كبير لحضرموت التي تعرف كيف تحفظ تاريخها، من دون أن تسكن فيه، وكيف تستلهم ماضيها، من دون أن تصبح أسيرته.






