اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حضرموت بين النكبتين: قراءة في تحولات التاريخ والمصير

حضرموت بين النكبتين: قراءة في تحولات التاريخ والمصير

بقلم: أ. د. خالد سالم باوزير

في مثل هذا اليوم، 17 سبتمبر 1967م، تحلّ الذكرى التاسعة والخمسون لسقوط السلطنة القعيطية الحضرمية على يد الجبهة القومية في المكلا.

وبالصدفة، بينما كنت أطالع تاريخ اليوم، 17 سبتمبر 2026م، عدت بذاكرتي إلى الوراء ممتطياً جدران الزمان، لأتذكر ذلك اليوم الذي شهد سقوط السلطنة القعيطية، وما تلاه من منع لآخر سلاطينها من العودة إلى المكلا بينما كان قادماً من المملكة العربية السعودية على متن السفينة التي تقله، لنلتحق بعدها رسمياً بدولة الجنوب.

كنت حينها طفلاً صغيراً لم أكن أعي تماماً أبعاد ما يجري حولي، لكنني درست هذا التاريخ لاحقاً في المراحل الدراسية المختلفة.

كما كانت الصحف الصادرة في المكلا وإذاعتها تتطرق إلى هذا الحدث، الذي أراه اليوم بمثابة “النكبة” التي حلت بحضرموت.
صحيح أن فترة الستينيات تختلف كلياً عن واقعنا اليوم، إلا أن الجميع يتذكر تلك الدولة التي كانت تحتل مساحة واسعة من خارطة حضرموت.

وبميزان ذلك العصر، كانت السلطنة القعيطية دولة نظام وقانون وشرع؛ تدار فيها الدواوين الحكومية بكفاءة عالية، وتؤدي مهامها ونشاطها المؤسسي في مختلف الألوية والمراكز.

واليوم، وبعد مرور تسعة وخمسين عاماً، يحق لنا أن نتساءل: هل تحقق شيءٌ لحضرموت وشعبها، سواءً في عهد الجمهورية الأولى في الجنوب حتى عام 1990م، أم في ظل الجمهورية التي ما زلنا نعيش في إطارها حتى اليوم؟

أتذكر أنني استقسيت معلومات من رجل عاصر عهد الدولة القعيطية الحضرمية، وسألته عن طبيعة الحياة والمواطنة ونظام الدولة آنذاك، فتوقف عن الكلام وتنهّد حسرة، ثم قال:

“كان جواز سفر الدولة القعيطية يسمح لك بدخول مختلف بلدان العالم – باستثناء إسرائيل – وكانت الحياة بسيطة والناس متعارفين، والأمن سائداً، والتعليم حقيقياً ومثمراً، والعلاقات الاجتماعية متداخلة ومترابطة. كما كانت للأعياد والمناسبات نكهة خاصة وكان السلطان يتواجد بيننا…”

انتهت تلك الدولة، والله يسامح من كان سبباً في إسقاطها. لكن بالنظر إلى الظروف السياسية للعالم العربي في تلك المرحلة، فقد كان يشهد موجة واسعة من حركات التحرر ضد الاستعمار في آسيا وإفريقيا.

غير أننا لو قيمنا تلك الفترة بإنصاف، فلن نجد نظاماً جمهورياً عربياً واحداً قدم نموذجاً ناجحاً يمكن الاقتداء به؛ فلا التجربة الناصرية ولا الثورات الأخرى أثمرت نجاحات حقيقية يُتفاخر بها، بل سجلت الأيام نكبات متتالية على أنقاض الأنظمة الملكية والسلطانية.

لقد دخلنا في حضرموت ضمن دولة الجنوب واستبشرنا خيراً، آملين أن نرى دولة نظام وقانون ترتقي بالوضع نحو الأفضل. ولكن سرعان ما تغيرت الأحوال بعد عام 1969م بإسقاط أول رئيس للجمهورية، السيد قحطان الشعبي.

وتحول المنهج العام نحو المنظومة الاشتراكية ونظام الحزب الواحد (الجبهة القومية) مع إلغاء الآخر، مما أدى إلى هجرة العديد من الكوادر والشخصيات الحضرمية إلى دول الخليج ومصر وغيرها، وانقطعت صلة المهاجرين بوطنهم بعد فرض قيود مشددة على سفر المواطنين من حضرموت وإليها.

لقد كانت حضرموت نقطة وصل وتواصل دائم مع المهاجرين الحضارم، إلا أن تلك العلاقات تقطعت، وصودرت الشركات والمساكن والمزارع تحت مظلة قرارات التأميم وإلغاء التجارة الحرة، وسط استقطاب عالمي بين معسكرين شرقي وغربي.

ورغم ذلك، لا يمكن إنكار بعض المزايا كالتعليم والصحة اللذين شملا مختلف القرى والمدن والوديان، إلا أنها ظلت مزايا ناقصة في ظل العداء مع الجوار وسوء العلاقات الإقليمية.
وفي الوقت الذي كانت تشهد فيه المنطقة الطفرة الاقتصادية الأولى وثورة النفط، حُرِمنا لأكثر من عقدين من ثروات ونفط حضرموت.

ثم جاءت النكبة الثانية بـ “الوحدة”، ليزداد الألم ونصل إلى وضع لا نُحسد عليه اليوم؛ فلا أوضاعنا الميشية تحسنت، ولا النفط الذي اكتُشف في أرضنا عاد بالخير على أبناء حضرموت، بل تحول إلى وبال آخر.

ختاماً، يظل أملنا في الله كبيراً بأن يتجاوز شعب حضرموت وآهاته هاتين النكبتين (الأولى والثانية)، وأن تشهد أرضنا غداً أفضل، متى ما صدقت النوايا وتوحدت جهود الحضارم، وبدعم من أشقائنا في دول الإقليم وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية التي تجمعنا بها روابط تاريخية ومتميزة.

والله من وراء القصد.

إغلاق