الجنوب ليس غنيمة لأحد ولا وطنًا يُسلَّم للأصنام
بقلم / علي قاسم الشعيبي ابو باسل
في القضايا الوطنية المصيرية، لا يكون الصمت دائمًا حكمة، ولا يكون الدفاع عن الأشخاص والمكونات دليلًا على الوطنية. فحين تصبح المصلحة الشخصية أو الولاء السياسي أقوى من صوت الوطن، تتحول الاختلافات إلى صراعات، ويتحول النقد إلى تهمة، ويصبح الخطأ أمرًا يجب تبريره بدلًا من تصحيحه.
والجنوب، بما يحمله من قضية وتضحيات وتاريخ، يستحق أن يُناقش مستقبله بوعي ومسؤولية، بعيدًا عن تقديس الأشخاص أو تحويل القيادات والمكونات إلى خطوط حمراء. فالقضية التي لا تحتمل النقد والمراجعة معرضة لأن تكرر أخطاء الماضي، وربما تدفع ثمنها أجيال قادمة.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن أخطاء القيادات والمكونات ليس استهدافًا للجنوب، بل هو محاولة لقراءة الواقع كما هو، وطرح الأسئلة التي قد يخشى البعض طرحها؛ لأن إنقاذ القضية يبدأ من الاعتراف بالأخطاء، ووضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
من يدافعون عن الأخطاء الكارثية التي تهدد الجنوب ومستقبله، إنما يطعمون الوطن للكلاب، ويتعاملون معه وكأنه شيء وجدوه في الشارع، وليس وطنًا وقضيةً وتاريخًا وحقًا لشعب.
المشكلة اليوم ليست فقط في الأخطاء السياسية، وإنما في غياب البوصلة الوطنية، وفي تحول الخلافات السياسية إلى متارس، وفي خلط البعض بين المعركة العسكرية وفنون السياسة وإدارة الخلاف وتحديد المصير.
أصبح من يختلف أول ينتقد أو يحذر من الأخطاء يُتَّهَم بالتفريط والخيانة، بينما يُمنح من يبرر الفشل والتنازلات صفة الحريص والمدافع عن القضية.
وهنا تكمن الكارثة.
فالقضية الجنوبية لا تحتاج إلى مزيد من التمترس، ولا إلى أصنام جديدة، ولا إلى قيادات تُقدَّس مهما أخطأت، وإنما تحتاج إلى عقول سياسية تعرف متى تختلف، ومتى تتراجع، ومتى تعترف بالخطأ، ومتى تضع مصلحة الوطن فوق مصلحة الأشخاص والمكونات.
لقد جربنا القيادات الكرتونية، وجربنا أصنام السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، وكانت النتيجة أن دفع الشعب ثمن أخطاء القيادات، وما زلنا حتى اليوم نعيش آثار تلك الأخطاء.
ومن المؤلم أننا نكرر التجربة نفسها، ونصنع أصنامًا جديدة، ثم نغضب عندما ينتقدها أحد.
أيها الشعب الجنوبي العظيم،
الوطن ليس شخصًا، وليس حزبًا، وليس مكوّنًا، وليس قائدًا.
الوطن أكبر من الجميع.
ومن يجعل ولاءه لشخص فوق ولائه للوطن، فإنه يمنح ذلك الشخص حق التصرف بمصير وطن بأكمله.
فاتركوا الأصنام؛ فقد ولّى زمنها، ولا تجعلوا من قيادات اليوم نسخة جديدة من قيادات الأمس.
اسألوا أنفسكم بصدق:
ماذا قدمت هذه القيادات للقضية؟
وماذا حققت للناس؟
وأين أصبحت السيادة؟
وأين القرار الوطني؟
وإلى أين تتجه القضية؟
وهل ما يحدث اليوم يقودنا فعلًا إلى الهدف الذي ينشده الشعب الجنوبي؟
هذه الأسئلة ليست خيانة، والنقد ليس عداءً، والمراجعة ليست تفريطًا.
بل إن أخطر ما يمكن أن نفعله بقضيتنا هو أن نصمت عن الخطأ خوفًا من الأشخاص.
الجنوب ليس ملكًا لقياداته، بل قياداته هي من يجب أن تكون خادمةً للجنوب.
فهل نتعظ قبل أن ندفع ثمن أخطاء جديدة؟
وهل آن الأوان لأن يكون الوطن أولًا، والقضية فوق الأشخاص، والمصلحة الوطنية فوق المكونات؟






