الحلقة السادسة : المحاصصة والعدالة في توزيع السلطة والثروة (بين ضمان التمثيل وخطر تكريس الانقسام)
إعداد / د. احمد باصهي
بعد أن ناقشنا في الحلقة الخامسة أهمية المشاركة السياسية والمجتمعية، نصل إلى قضية شديدة الحساسية في أي مشروع لبناء نظام سياسي جديد:
المحاصصة.
والمقصود بالمحاصصة هنا ليس مجرد توزيع المناصب، وإنما السؤال الأوسع:
كيف نضمن مشاركة عادلة لمختلف مناطق ومكونات حضرموت في السلطة والثروة، من دون أن نحول مؤسسات الحكم إلى مجرد حصص تتقاسمها القوى السياسية والاجتماعية؟
أولًا: لماذا تظهر فكرة المحاصصة؟
تظهر المحاصصة عادةً عندما توجد مخاوف لدى مكونات المجتمع من أن تستأثر فئة واحدة بالسلطة أو الموارد.
وفي مجتمع متنوع مثل حضرموت، يمكن أن تنشأ المطالبة بالتمثيل المتوازن نتيجة اختلاف المناطق والخصوصيات المحلية والتجارب التاريخية.
ومن هذه الزاوية، قد تكون هناك حاجة إلى آليات تضمن عدم إقصاء أي منطقة أو مكوّن.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المحاصصة من وسيلة مؤقتة لضمان التوازن إلى قاعدة دائمة لإدارة الدولة.
ثانيًا: المحاصصة ليست عدالة بالضرورة
قد يبدو توزيع المناصب بين المناطق والمكونات عادلًا في ظاهره، لكنه لا يضمن بالضرورة العدالة الحقيقية.
فإذا حصل كل مكوّن على نسبة محددة من الوظائف والمناصب، دون النظر إلى الكفاءة والنزاهة والخبرة، فقد تتحول المؤسسات إلى ساحات لتقاسم النفوذ.
ومن هنا يجب التمييز بين:
عدالة التمثيل
و
عدالة الكفاءة والفرص.
الأولى تمنع الإقصاء، والثانية تضمن جودة المؤسسات.
ثالثًا: المشكلة ليست في التمثيل بل في طريقة تحقيقه
ليس المطلوب إلغاء فكرة التمثيل المتوازن.
بل المطلوب البحث عن وسائل أكثر مؤسسية لتحقيقه.
فعلى سبيل المثال، يمكن أن تتضمن القواعد الدستورية ضمانات للتمثيل الجغرافي في بعض المؤسسات، مع اعتماد الكفاءة والمعايير المهنية في الوظائف التنفيذية.
وبذلك نحافظ على التوازن دون تحويل كل وظيفة إلى حصة لمنطقة أو جماعة.
رابعًا: حضرموت ليست ساحلًا وواديًا فقط
من المهم في أي نقاش حول التمثيل ألا نقع في تبسيطات جديدة.
فحضرموت تضم مناطق ومدنًا وقرى ومجتمعات متعددة، ولكل منها احتياجاتها وأولوياتها.
ولهذا فإن بناء نظام عادل لا ينبغي أن يقوم على ثنائية واحدة تختزل حضرموت كلها.
بل يجب أن يعتمد على توزيع عادل للصلاحيات والموارد والفرص بين مختلف المناطق.
خامسًا: العدالة في توزيع الثروة
العدالة السياسية لا تنفصل عن العدالة الاقتصادية.
فإذا كانت بعض المناطق تنتج الموارد بينما تتركز الخدمات والاستثمارات في مناطق أخرى، فإن الشعور بعدم الإنصاف سيستمر.
ولهذا يجب أن يكون هناك نظام مالي واضح يحدد:
- الإيرادات المحلية.
- عوائد الموارد الطبيعية.
- نصيب السلطات المحلية.
- الإنفاق على الخدمات.
- مشاريع التنمية.
- آليات الرقابة المالية.
- معايير توزيع الموازنات.
والأهم أن تكون هذه القواعد شفافة وقابلة للمراجعة والمساءلة.
سادسًا: هل نحتاج إلى محاصصة سياسية؟
ربما يكون من المفيد في المرحلة الانتقالية التفكير في بعض آليات التمثيل المتوازن إذا كانت هناك مخاطر حقيقية من الإقصاء.
لكن ينبغي أن يكون الهدف النهائي هو الانتقال من:
محاصصة المكونات
إلى:
مواطنة متساوية.
فالمؤسسة الناجحة هي التي يصبح فيها الانتماء الجغرافي أو الاجتماعي أقل أهمية من الكفاءة والنزاهة والقانون.
سابعًا: التمثيل الجغرافي في مقابل الكفاءة
يمكن تصور نموذج يجمع بين الأمرين.
مثلًا:
أن تكون بعض المجالس المنتخبة قائمة على التمثيل الجغرافي والسكان.
وفي المقابل، تعتمد المؤسسات التنفيذية على معايير واضحة للتعيين، مثل المؤهل والخبرة والكفاءة والنزاهة.
وهكذا يصبح المواطن ممثلًا سياسيًا من خلال الانتخابات، بينما تُدار المؤسسات بواسطة أشخاص قادرين على أداء وظائفهم بكفاءة.
ثامنًا: لا عدالة من دون شفافية
أي نظام لتوزيع السلطة والثروة يحتاج إلى معلومات واضحة.
المواطن يجب أن يعرف:
كم تبلغ الإيرادات؟
كيف توزع؟
من يستفيد؟
ما المشاريع التي تم تنفيذها؟
وكم تكلفتها؟
ومن المسؤول عن مراقبتها؟
فالشفافية تجعل العدالة قابلة للقياس، وتحول دون استخدام شعار العدالة لتبرير مصالح خاصة.
تاسعًا: العدالة بين الأجيال
لا ينبغي أن تقتصر العدالة على الجيل الحالي.
فإذا استُهلكت الموارد الطبيعية بالكامل اليوم، فلن يبقى للأجيال القادمة ما تستفيد منه.
ولهذا فإن العدالة الحقيقية تشمل أيضًا حقوق الأجيال القادمة، من خلال الاستثمار في التعليم والبنية التحتية والاقتصاد المنتج وحماية البيئة، وربما إنشاء صناديق استثمارية طويلة المدى من عوائد الموارد.
عاشرًا: نحو نموذج حضرمي خاص
ربما لا تحتاج حضرموت إلى استنساخ تجربة سياسية جاهزة.
بل يمكنها أن تستفيد من تجارب الآخرين، ثم تصمم نموذجًا يتلاءم مع خصوصيتها.
نموذج يقوم على:
المشاركة، والعدالة، والكفاءة، والشفافية، واللامركزية، وسيادة القانون.
وفي هذا النموذج لا تكون المحاصصة هدفًا، وإنما قد تكون ـ عند الضرورة ـ إحدى الأدوات المؤقتة لمنع الإقصاء وتحقيق التوازن، إلى أن تصبح المؤسسات قادرة على ضمان المواطنة المتساوية للجميع.
الخلاصة
المشكلة ليست في أن يطالب أبناء حضرموت بالعدالة في التمثيل، فهذا حق مشروع.
المشكلة تكمن في أن تتحول العدالة إلى تقاسم دائم للمناصب والثروة بين النخب.
فحضرموت تحتاج إلى نظام يمنع الاستئثار، لكنه في الوقت نفسه لا يقتل الكفاءة.
تحتاج إلى تمثيل عادل، لكن أيضًا إلى مؤسسات قوية.
تحتاج إلى توزيع منصف للثروة، لكن أيضًا إلى اقتصاد منتج.
وتحتاج إلى حماية حقوق المناطق والمكونات، لكن في إطار مواطنة حضرمية جامعة.
والغاية النهائية ينبغي أن تكون:
«أن تكون السلطة خدمة عامة، والثروة وسيلة للتنمية، والتمثيل حقًا للمواطن، لا حصة للنخبة.»
وفي الحلقة السابعة سننتقل إلى أساس نجاح أي مشروع سياسي أو إداري:
بناء المؤسسات والحكم الرشيد
كيف ننتقل من الأشخاص إلى المؤسسات، ومن الشعارات إلى نظام قابل للاستمرار؟






