أيوب طارش.. الصوت الذي صار وطناً
تاربة_اليوم/ خاص
تقرير : محمد إبراهيم
عندما يعلو صوت الفنان أيوب طارش عبسي وهو يغني للوطن، لا تسمع أغنية فقط.. تسمع وجعاً. تذرف الدموع لا من الطرب، بل من الشوق لما تبقى من وطننا. تشعر فجأة أننا ظلمنا بلادنا، وأننا بأيدينا دمرنا ما كان يجب أن نحميه.
أيوب طارش ليس مجرد صوت. هو الذاكرة التي تذكرنا بالوطن وقيمة الوطن، في زمن صار فيه الوطن سؤالاً بلا جواب.
في ذاكرة اليمنيين لا يوجد بيت لم يردد لحناً لأيوب. لم يكن مطرب مناسبات ولا مغني سلطة. كان عاشقاً لليمن. حول الأغنية الوطنية من كلمات بروتوكولية تقال في الاحتفالات، إلى نبض يومي يسكن البيوت. من “رددي أيتها الدنيا نشيدي” التي صارت نشيد الأجيال، إلى “وهبناك الدم الغالي” و”بلادي بلاد اليمن” و”يا سماوات بلادي باركينا” و”عودة السندباد” و”لمن لمن لأجل اليمن”. أغانٍ لم تكن ألحاناً عابرة، بل كانت شهادات وجدانية وثقت تاريخ اليمن الحديث سطراً سطراً.
*صوت جمع ما فرقته السياسة*
ما يميز أيوب طارش أنه منحنا لغة واحدة. شمالاً وجنوباً، سهلاً وجبلاً، لم يسأل أحد وأنت تردد “هتافات الشعب” من أي قبيلة أنت. كانت أغانيه جسراً معلقاً فوق كل الانقسامات، يعيد تذكيرنا بأن لنا أرضاً واحدة، وتاريخاً واحداً، وجرحاً واحداً أيضاً.
يقول النقاد إن سر خلود أيوب ليس في قوة حنجرته فقط، بل في صدقه الذي يصل بلا استئذان. كلمة بسيطة، لحن يلتصق بالروح، وصورة شعرية ترسم الوطن بلا خطب. لذلك حفظه الكبار وورثه الصغار، حتى صارت مقاطع من أغانيه جزءاً من حديثنا اليومي.
أيوب طارش لم يقدم مشروع طرب، قدم مشروع انتماء. في وقت كانت تبنى فيه الأوطان بالبيانات، بنى هو الوطن بالأغنية. أثبت أن الثقافة قادرة على أن تغرس في القلب ما تعجز عنه ألف سياسة.
اليوم وبعد عقود، لا تزال أغانيه تسكن المدارس، وتعلو في المناسبات الوطنية، وتدور في جوالات الشباب. لم تتقادم لأنها لم ترتبط بزمن، بل ارتبطت بالوطن ذاته. ولهذا كلما تحدثنا عن الذاكرة اليمنية الحديثة، كان لا بد أن يبدأ الحديث باسمه.
أيوب طارش لم يغنِ لليمن فقط. هو من شكل وجدان اليمنيين. جعل من الأغنية وطناً بديلاً نلجأ إليه حين يضيق بنا الواقع، وجعل من الصوت ملاذاً نستعيد فيه ما فقدناه.
وما أحوجنا اليوم إلى صوت مثل صوته.. يبكينا على الوطن، وفي الوقت ذاته يذكرنا بأن الوطن ما زال يستحق أن نبكي عليه.






