الحلقة الخامسة : المشاركة السياسية والمجتمعية في إدارة حضرموت
إعداد / د. احمد باصهي
من يمثل حضرموت؟ وكيف يشارك أبناؤها في صناعة القرار؟
بعد أن ناقشنا في الحلقات السابقة خصوصية حضرموت، وثرواتها، ومفهوم الحكم الذاتي، نصل إلى سؤال جوهري:
من يملك حق الحديث باسم حضرموت؟ ومن يشارك في صناعة قرارها؟
فأي مشروع سياسي أو إداري لمستقبل حضرموت لن يكون قابلًا للاستمرار ما لم يستند إلى مشاركة واسعة وحقيقية من أبناء حضرموت، في الداخل والمهجر، وبمختلف مناطقهم وشرائحهم الاجتماعية.
أولًا: المشاركة ليست مجرد تمثيل
قد توجد مجالس وهيئات وأحزاب وشخصيات تتحدث باسم المجتمع، لكن وجود التمثيل لا يعني بالضرورة وجود مشاركة حقيقية.
المشاركة الحقيقية تعني أن يكون للمواطن دور في:
– اختيار ممثليه.
– صياغة السياسات العامة.
– مراقبة أداء المؤسسات.
– مساءلة المسؤولين.
– مناقشة الموازنات وأولويات التنمية.
– التعبير عن احتياجات منطقته ومجتمعه.
وبذلك يصبح المواطن شريكًا في صناعة القرار، وليس مجرد متلقٍ لقرارات السلطة.
ثانيًا: من يمثل حضرموت؟
هذا السؤال من أكثر الأسئلة حساسية.
فحضرموت ليست شخصًا واحدًا، ولا حزبًا واحدًا، ولا منطقة واحدة، ولا جماعة واحدة.
وإذا كان هناك مشروع مستقبلي لحضرموت، فإن شرعيته الاجتماعية والسياسية ينبغي أن تستند إلى تعددية حقيقية في التمثيل.
وهذا يعني إشراك:
أبناء الساحل والوادي والصحراء، والمدن والريف، والشباب والنساء، والأكاديميين والمثقفين، ورجال الأعمال، والقيادات الاجتماعية، ومنظمات المجتمع المدني، والمهنيين، والحضارم في المهجر.
ليس المطلوب أن يتفق الجميع في كل شيء.
بل المطلوب أن تتوافر آليات تسمح لهم بالمشاركة والاختلاف والحوار والوصول إلى حلول مشتركة.
ثالثًا: خطورة احتكار التمثيل
من أخطر التحديات التي يمكن أن تواجه أي مشروع مستقبلي أن تدعي جهة واحدة أنها تمثل جميع أبناء حضرموت.
فالاحتكار السياسي للتمثيل قد يؤدي إلى إقصاء أصوات أخرى، ويخلق حالة من عدم الثقة، وربما يحول الخلاف السياسي إلى صراع اجتماعي.
ولهذا فإن شرعية التمثيل يجب أن تُبنى على المشاركة والانتخاب والتوافق، لا على الادعاء أو فرض الأمر الواقع.
رابعًا: الشباب شركاء في المستقبل
من الصعب الحديث عن مستقبل حضرموت دون الحديث عن الشباب.
فالشباب ليسوا فقط جيل المستقبل، بل هم جزء أساسي من الحاضر.
ولهذا ينبغي أن تتاح لهم فرص حقيقية للمشاركة في المؤسسات السياسية والإدارية والاقتصادية، وأن يحصلوا على التعليم والتدريب والتأهيل الذي يمكنهم من تحمل مسؤولياتهم.
كما ينبغي الانتقال من التعامل مع الشباب باعتبارهم جمهورًا انتخابيًا إلى التعامل معهم باعتبارهم شركاء في صناعة السياسات والقرار.
خامسًا: المرأة ودورها في بناء المستقبل
لا يمكن لأي مجتمع أن يستفيد من كامل طاقاته إذا بقيت مشاركة نصف المجتمع محدودة.
ومن هنا فإن تعزيز مشاركة المرأة في التعليم والعمل والمؤسسات العامة والمجالس المحلية والهيئات المنتخبة يمثل جزءًا من بناء مجتمع أكثر توازنًا.
والمشاركة لا تعني مجرد زيادة الأعداد، وإنما تعني إتاحة الفرصة للكفاءة والقدرة والمسؤولية.
سادسًا: المجتمع المدني
يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تلعب دورًا مهمًا في المرحلة القادمة.
فهي تستطيع أن تكون حلقة وصل بين المواطن والمؤسسات، وأن تساهم في الرقابة والتوعية، وإجراء الدراسات، ورصد احتياجات المجتمع، والمشاركة في صياغة السياسات.
وكلما كان المجتمع المدني قويًا ومستقلًا، زادت قدرة المجتمع على مراقبة السلطة ومنع احتكار القرار.
سابعًا: حضارم المهجر
يمتلك الحضارم في المهجر خبرات علمية واقتصادية وإدارية وثقافية واسعة.
وقد آن الأوان للنظر إلى المهجر باعتباره جزءًا من قوة حضرموت البشرية والمعرفية والاقتصادية.
لكن المشاركة لا ينبغي أن تعني التدخل في الشأن المحلي من الخارج، بل يمكن أن تكون من خلال:
نقل الخبرات، والاستثمار، والتعليم، والاستشارات، وبناء الشبكات العلمية والاقتصادية، والمساهمة في المشاريع التنموية.
وهكذا يصبح المهجر شريكًا في التنمية دون أن يتحول إلى بديل عن المجتمع الموجود في الداخل.
ثامنًا: المحاصصة أم الكفاءة؟
هنا نصل إلى قضية حساسة ستحتاج إلى نقاش مستقل في الحلقة القادمة.
كيف نضمن التمثيل العادل لمناطق ومكونات المجتمع، دون أن يتحول ذلك إلى محاصصة جامدة على حساب الكفاءة؟
إن العدالة في التمثيل مهمة، لكن المؤسسات تحتاج أيضًا إلى الكفاءة والنزاهة والخبرة. ضمن نظرة معيارية شاملة ودقيقة تراعي كل مقومات التمثيل بتوافق وانسجام .
ولهذا قد يكون الحل في إيجاد توازن بين:
التمثيل العادل + الكفاءة + النزاهة + المساءلة.
وهذا التوازن هو الذي يمكن أن يمنع إقصاء المكونات المختلفة من جهة، ويمنع تحويل مؤسسات الدولة إلى حصص سياسية من جهة أخرى.
تاسعًا: الحوار المجتمعي
قبل الانتقال إلى أي ترتيبات سياسية كبرى، تحتاج حضرموت إلى حوار مجتمعي واسع.
حوار لا يبدأ بالنتائج، بل يبدأ بالأسئلة.
ما شكل الإدارة التي نريدها؟
كيف توزع السلطة؟
كيف توزع الموارد؟
ما الضمانات الدستورية؟
كيف نضمن حقوق المناطق المختلفة؟
كيف نمنع الفساد؟
كيف نحمي الحريات؟
وكيف نبني مؤسسات تستطيع الاستمرار مهما تغير الأشخاص؟
إن الحوار الحقيقي لا يعني غياب الخلاف، بل يعني إدارة الخلاف بطريقة سلمية ومؤسسية.
الخلاصة
إن مستقبل حضرموت لا يمكن أن يصنعه فرد أو حزب أو جماعة أو قبيلة بمفردها.
فحضرموت أكبر من الجميع، ومستقبلها ملك لأبنائها جميعًا.
ولهذا فإن أي مشروع للحكم الذاتي أو الإدارة المحلية أو التنمية الاقتصادية يجب أن يستند إلى مشاركة واسعة، وتمثيل عادل، ومؤسسات منتخبة، وشفافية، ومساءلة.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم المرحلة القادمة هي:
لا تمثيل بلا مشاركة، ولا سلطة بلا مساءلة، ولا تنمية بلا عدالة.
وفي الحلقة السادسة سنفتح واحدًا من أكثر الملفات حساسية في بناء المؤسسات:
المحاصصة والعدالة في توزيع السلطة والثروة.
هل المحاصصة وسيلة لتحقيق التوازن أم خطر على بناء الدولة؟






