أزمة الغاز تتجاوز الصيانة والأعطال.. اتهامات بالتهريب وتصاريح مثيرة للجدل وأسئلة عن وجهة الكميات .. –
تاربة اليوم
2026-08-29 04:05:00
أزمة الغاز تتجاوز الصيانة والأعطال.. اتهامات بالتهريب وتصاريح مثيرة للجدل وأسئلة عن وجهة الكميات ..
الجمعة 28 اغسطس 2026 – الساعة:19:05:20
( / تقرير/ هشام صويلح 🙂
كيف يتحول الغاز الموجود في الكشوفات إلى أزمة في الجنوب؟
كميات تُرحّل.. ومواطنون ينتظرون: أين تنتهي رحلة الغاز؟
من يحدد وجهة شحنات الغاز؟
لماذا يبقى الغاز أزمة رغم استمرار الإنتاج؟
من يمنح التصاريح.. ومن يراقب وجهة القاطرات؟
رحلة الغاز الغامضة
جلس مواطن جنوبي أمام أسطوانتي غاز، عاجزًا عن إخفاء غضبه. «أنا جائع، والشعب بأكمله جائع»، قالها وهو يشير إلى الأسطوانتين، قبل أن يلخص علاقة الحياة اليومية بهذه المادة: «البيوت ما تمشيش إلا بالغاز». فإلى جانب المنازل، تعتمد السيارات والمطاعم عليه، فيما يبحث مواطنون منذ أسابيع عن أسطوانة واحدة دون جدوى.
لكن الأزمة لا تبدو مجرد نقص عابر في الإمدادات، ولا يمكن اختزالها في أعمال صيانة أو عطل فني طارئ. فالسؤال الذي يفرض نفسه هو: إذا كانت كميات الغاز تظهر في كشوفات التوزيع، فلماذا لا يجدها المواطن الجنوبي؟
من مأرب إلى الجنوب.. أين تذهب الكميات؟
لفهم الأزمة، لا بد من النظر إلى سوق الغاز ومسارات إمداده. فقد كانت مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد، في جانب من احتياجاتها، على الغاز القادم من مأرب، قبل أن تدخل مصادر أخرى إلى المعادلة، بينها الغاز الإيراني. ومع اضطراب الإمدادات الإيرانية المرتبطة بالحرب الأخيرة، عاد إنتاج مأرب ليكتسب أهمية أكبر في تغطية الطلب.
وتنعكس هذه التحولات على الجنوب بصورة مباشرة، باعتبار أن مأرب تمثل أحد مصادر الإمداد الرئيسية للسوق. وبالتالي فإن أي تغيير في حجم الطلب أو في وجهة الكميات الخارجة من مناطق الإنتاج يمكن أن يترك أثره سريعًا على الأسواق الأخرى.
لكن ارتفاع الطلب على غاز مأرب لا يجيب عن السؤال الأهم: ماذا يحدث للكميات منذ خروجها من موقع الإنتاج وحتى وصولها إلى المستهلك؟
فالغاز يمر بسلسلة من الإجراءات تبدأ بالتحميل والترحيل، مرورًا بالتصاريح والمحطات المستلمة، وصولًا إلى التوزيع على المستهلكين. ولهذا فإن وجود القاطرات في كشوفات الترحيل لا يعني بالضرورة أن الكمية وصلت إلى المستهلك النهائي.
المسألة تتطلب معرفة الجهة التي تحدد وجهة الشحنات، ومن يمنح التصاريح، ومن يتابع القاطرات، ومن يطابق الكميات المنتجة مع تلك التي وصلت وبِيعت للمستهلك.
وفي سوق تعاني نقصًا حادًا، فإن أي خلل في هذه السلسلة، سواء كان إداريًا أو ناتجًا عن تضارب مصالح أو تهريب، ينعكس مباشرة على المواطن في صورة طوابير وأزمة وأسعار أعلى.
إدارة الغاز تحت المساءلة
عند البحث في هذه المسؤولية، يبرز اسم محسن بن وهيط، المدير العام التنفيذي للشركة اليمنية للغاز، خصوصًا في ظل انتقادات وُجهت إلى إدارة الشركة من داخل منظومة إدارة ومراقبة الغاز.
ففي أغسطس، وجهت غرفة العمليات المشتركة للغاز انتقادات إلى إدارة الشركة، وطالبت بالتحقيق في ممارسات وملفات مرتبطة بالتهريب. كما اتهم رئيس الغرفة بن وهيط بالمسؤولية عن جانب من الأزمة، وبمنح مئات التصاريح لمحطات كبار المستهلكين، معتبرًا أن ذلك انعكس على الكميات المتاحة للاستهلاك المنزلي.
وتتطلب هذه الاتهامات، بطبيعتها، تحقيقًا موثقًا يحدد المسؤوليات ويفصل بين الوقائع المثبتة والادعاءات. لكنها في الوقت ذاته تضع آلية إدارة حركة الغاز أمام سؤال مشروع: **هل تصل الكميات إلى الجهات المحددة لها فعلًا، أم أن جزءًا منها يتغير مساره قبل وصوله إلى المستهلك؟**
وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل حديث الجهات المختصة عن مكافحة تهريب الغاز ومتابعة القاطرات حتى وصولها إلى وجهاتها.
التهريب.. الحلقة الأخطر
لا تتوقف الروايات المتداولة بشأن أزمة الغاز عند سوء التوزيع أو كثرة التصاريح، بل تتحدث مصادر وتقارير عن توجيه كميات من الغاز إلى مناطق سيطرة الحوثيين، في وقت تعاني فيه المحافظات الجنوبية نقصًا حادًا.
وفي حال ثبوت إعادة توجيه كميات من السوق الرسمية إلى أسواق أخرى، فإن الأزمة تتجاوز مسألة انخفاض الإنتاج لتصبح مرتبطة بمسار التوزيع والجهات المستفيدة من الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق.
كما أن وجود حديث رسمي عن تهريب الغاز يجعل فتح هذا الملف والتحقق من مسارات الشحنات أمرًا ضروريًا، خصوصًا أن إثبات وجود تهريب لا يعني تلقائيًا ثبوت مسؤولية شخص بعينه.
والسؤال هنا لا يتعلق فقط بمن يقوم بالتهريب، وإنما أيضًا بمن يملك القدرة على تمرير الكميات، ومن يراقب حركة القاطرات، وكيف تتغير وجهة الشحنات، ومن يستفيد من الفارق المالي بين السعر الرسمي والسوق السوداء.
هذه الأسئلة تحتاج إلى بيانات وكشوفات وتحقيقات واضحة، لكنها في الوقت ذاته أكثر عمقًا من تفسير الأزمة باعتبارها مجرد نقص فني مؤقت.
الصيانة.. تفسير لا يكفي
تقول الشركة اليمنية للغاز إن أعمال الصيانة في معامل الإنتاج كانت أحد أسباب الاختناق الأخير في الإمدادات. لكن التسلسل الزمني يطرح علامات استفهام حول مدى كفاية هذا التفسير.
فأعمال الصيانة بدأت في 26 يونيو، وأعلنت الشركة انتهاءها في 16 أغسطس، قبل أن يُعلن في 18 أغسطس عن توقف معمل CPU-2 في صافر نتيجة خلل فني أدى إلى انخفاض حاد في إنتاج الغاز المنزلي.
وبغض النظر عن حقيقة الأعطال وأسبابها الفنية، فإن ظهور خلل جديد بعد انتهاء أعمال الصيانة بفترة وجيزة يطرح سؤالًا حول ما إذا كانت الصيانة قد عالجت كامل أسباب الاختناق أم عالجت جزءًا منه فقط.
الأهم أن رئيس غرفة العمليات المشتركة للغاز تحدث في أغسطس عن أزمة ممتدة لنحو ثلاثة أعوام. وبالتالي، فإن الصيانة يمكن أن تفسر جانبًا من النقص خلال فترة معينة، لكنها لا تفسر وحدها أزمة يُقال إنها مستمرة منذ سنوات.
المطلوب، إذن، عدم الاكتفاء بتفسير فني لكل موجة نقص، وإنما النظر إلى كامل منظومة الإمداد: كمية الإنتاج، وحجم الاستهلاك، ومسارات الترحيل، والتصاريح، والوجهات النهائية، وحجم ما يصل بالفعل إلى السوق المحلية.
مصافي عدن.. غياب البديل
تكشف أزمة الغاز أيضًا عن مشكلة أوسع تتعلق بضعف البدائل المحلية واعتماد الجنوب على مصادر إمداد تقع خارج نطاق سيطرته المباشرة.
وهنا تبرز مصافي عدن والبنية النفطية الجنوبية، ليس باعتبارهما حلًا فوريًا لأزمة الغاز المنزلي، وإنما باعتبارهما جزءًا من سؤال أكبر يتعلق بقدرة الجنوب على بناء منظومة طاقة أكثر استقلالًا وأقل عرضة للاختناقات الخارجية.
فاستمرار تعطل أو ضعف البنية النفطية المحلية يعني بقاء الجنوب معتمدًا على منظومة إمداد خارجية، وأي اضطراب في تلك المنظومة ينتقل سريعًا إلى حياة المواطن.
ومن هنا يبرز سؤال آخر: لماذا لم تُستعد مصافي عدن والبنية النفطية الجنوبية بصورة تعزز قدرة الجنوب على إنتاج وإدارة وتأمين احتياجاته من الطاقة؟
المواطن يدفع الثمن
في نهاية المطاف، لا يرى المواطن كل هذه التعقيدات. ما يراه هو أسطوانة غاز مفقودة، وطابور طويل، وسعر يرتفع، وأزمة تتكرر بينما تتعدد تفسيراتها.
وهنا تتحول أزمة الغاز إلى جزء من أزمة خدمات أوسع. فعندما يعتمد المواطن على منظومة لا يملك قرارها ولا يملك بديلًا كافيًا عنها، يصبح أي خلل فيها ضغطًا مباشرًا على حياته.
ولهذا فإن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقوم على بيانات متلاحقة عن الصيانة أو الأعطال أو وصول شحنات جديدة، بل تتطلب كشف مسار الغاز كاملًا، من لحظة الإنتاج حتى وصوله إلى المستهلك.
من يملك قرار الغاز؟
تعود القضية في نهايتها إلى السؤال الذي بدأ منه التقرير: **الغاز موجود في كشوفات التوزيع، فلماذا لا يصل إلى المواطن الجنوبي؟**
بين إنتاج مأرب، وتغير احتياجات سوق الحوثيين، ومسارات القاطرات والتصاريح، والاتهامات المرتبطة بالتهريب، والمساءلة الموجهة إلى إدارة شركة الغاز، والأعطال الفنية، وغياب البديل المحلي، تتشابك حلقات الأزمة، بينما تبقى النتيجة واحدة: مواطن يبحث عن أسطوانة غاز.
لذلك، فإن المطلوب لا يقتصر على إعلان انتهاء صيانة أو الحديث عن خلل فني أو ضخ دفعة جديدة من الغاز، وإنما إخضاع سلسلة الإمداد كاملة للتتبع والرقابة: من ينتج؟ وكم ينتج؟ ومن يرحّل؟ ومن يمنح التصاريح؟ وإلى أين تتجه القاطرات؟ وكم يصل منها فعلًا إلى السوق المحلية؟ ومن يراقب ذلك كله؟
كما أن ملف التهريب والاتهامات الموجهة إلى المسؤولين يحتاج إلى تحقيقات واضحة وموثقة، بعيدًا عن التبرئة المسبقة أو الإدانة الإعلامية.
فأزمة الغاز ليست أزمة أسطوانة فحسب؛ إنها اختبار لمنظومة إدارة مورد أساسي، ولقدرة الجهات المسؤولة على ضمان وصوله إلى المواطن.
وحين تظهر الكميات في الكشوفات بينما تختفي من أمام المواطن، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: من يملك قرار الغاز، ومن يحدد وجهته؟






