الأسرة.. الصخرة التي يُبنى عليها أمل الأشخاص من ذوي الإعاقة أو الحصن الذي يكبّل إمكاناتهم
بقلم / عبدالعزيز كرامة العامري
الاربعاء 19 اغسطس 2026
حقوقي وناشط في قضايا الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة
تُعتبر الأسرة الملاذ الأول والحضن الأساسي لأي إنسان، لكنها بالنسبة للشخص من ذوي الاحتياجات الخاصة تمثل المحور الأساسي الذي يتشكل عليه مستقبله بأكمله. فالأسرة ليست مجرد مأوى أو مصدر للرعاية اليومية، بل هي المحرك الإيجابي الذي يشعل جمرة القوة في نفس الفرد، أو العائق الأول الذي يطفئ نوره قبل أن يراه العالم.
من الإعاقة إلى الإبداع: كيف يصنع الدعم بطلاً؟
عندما تتعامل الأسرة مع طفلها أو فردها من ذوي الهمم بإيمان حقيقي بقدراته، وتمنحه الثقة غير المشروطة، فإنها تضع الحجر الأساس لشخصية قوية وفاعلة.
زرع الثقة بالنفس: عندما يرى الشخص من ذوي الإعاقة نظرات الفخر في عيون والديه وإخوته، يتولد لديه يقين داخلي بأنه قادر على تجاوز التحديات مهما بلغت صعوبتها.
التأهيل والمشاركة: الدعم الأسري لا يعني القيام بكل شيء نيابة عن الشخص، بل تدريبه وتشجيعه على الاعتماد على نفسه، وإتاحة الفرصة له لخوض التجارب والتعلم من الأخطاء.
الدمج المجتمعي: الأسرة الداعمة لا تخجل من فردها ولا تخفيه عن المجتمع، بل تأخذ بيده إلى المدرسة والجامعة والعمل والشارع والأندية والمحافل الثقافية والاجتماعية.
والنتيجة أن يتحول الشخص من متلقٍ للرعاية إلى صانع للأثر؛ فنرى من الأشخاص من ذوي الإعاقة المبدعين والعلماء والرياضيين والأكاديميين والناشطين، وغيرهم ممن يتركون بصمات ملهمة في مجتمعاتهم، ويشاركون بفاعلية في اتخاذ القرارات التي تخص حياتهم ومستقبلهم.
الشفقة الزائدة والحماية المفرطة: السجن الخفي
على الجانب الآخر، تقع بعض الأسر، غالبًا عن حسن نية وبسبب اندفاع العاطفة، في فخ الشفقة الزائدة أو الحماية المفرطة، وربما في بعض الأحيان الخجل والإنكار.
هذا السلوك، وإن كان بدافع الحب والخوف على الشخص، قد يحمل في طياته نتائج سلبية خطيرة.
ترسيخ مفهوم الاتكالية: عندما يُعامل الشخص من ذوي الإعاقة على أنه عاجز عن القيام بأي شيء بنفسه، قد يتسلل إليه الشعور بالدونية، ويقتنع تدريجيًا بأنه مجرد عبء على أسرته والمجتمع.
مصادرة الإرادة: حرمانه من حق اختيار ملابسه أو طعامه أو أصدقائه أو أسلوب حياته، أو اتخاذ قراراته البسيطة نيابة عنه، يضعف شخصيته ويجعله أقل قدرة على الاعتماد على نفسه في شؤون حياته.
العزلة والانكفاء: عزل الشخص من ذوي الهمم عن المجتمع بحجة حمايته، وحرمانه من التجارب والتفاعل مع الآخرين، قد يؤدي إلى فقدان الثقة بالنفس والإحباط، ويحد من قدرته على اكتشاف مواهبه وإمكاناته.
إن الحماية الحقيقية ليست في إغلاق الأبواب أمام الشخص، وإنما في تعليمه كيف يواجه العالم بأمان وثقة واستقلالية.
المعادلة البسيطة: تقبّل.. تمكين.. إطلاق
إن الفارق بين شخص من ذوي الإعاقة يستطيع أن يصنع أثرًا في مجتمعه، وآخر يعيش على هامش الحياة، لا يرتبط بالإعاقة وحدها، بل بالبيئة المحيطة به ومدى إيمانها بقدراته.
ويمكن اختصار دور الأسرة في ثلاث كلمات:
التقبّل: قبول الشخص كما هو، دون خجل أو إنكار أو نظرة تشعره بأنه أقل من الآخرين.
التمكين: توفير التعليم والتأهيل والتدريب والأدوات المساعدة التي تمكنه من تنمية مهاراته وقدراته، سواء كانت حركية أو حسية أو ذهنية أو اجتماعية.
الإطلاق: منحه المساحة الكافية للتحكم في حياته، واتخاذ قراراته، وتجربة قدراته، وتحمل مسؤولية اختياراته وأخطائه، ما دام ذلك في حدود ما يستطيع وبما يحقق سلامته وكرامته.
فالأسرة التي تمكّن ابنها لا تفقد السيطرة عليه، بل تكسب إنسانًا قادرًا على الاعتماد على نفسه، والمشاركة في المجتمع، وصناعة مستقبله.
ختامًا
إن الإعاقة ليست نهاية الطريق، كما أنها لا تحدد قيمة الإنسان ولا سقف طموحه. وفي كثير من الأحيان، قد تكون المشكلة الأكبر ليست في حالة الشخص نفسه، وإنما في الحواجز الاجتماعية والنفسية والبيئية التي تحيط به.
فالأسرة هي الوجه الأول للمجتمع، ومنها يبدأ بناء شخصية الشخص من ذوي الإعاقة.
إذا أعطته الثقة والاحترام والحرية، وساعدته على اكتشاف قدراته، فإنها لا تبني مستقبل فرد واحد فحسب، بل تقدم للمجتمع إنسانًا قادرًا على العطاء والإبداع والمشاركة.
أما إذا حاصرته بالشفقة والخوف والعزلة، فقد تمنعه من أن يعيش الحياة التي كان قادرًا على أن يصنعها.
لذلك، لا يحتاج الشخص من ذوي الإعاقة إلى أسرة تفعل كل شيء من أجله، بل إلى أسرة تؤمن بأنه قادر، وتساعده على أن يفعل ما يستطيع بنفسه.






