طرح جرئ 2 : استعادة الدولة باللغة التي لا تغيب عنها الشمس
بقلم / خالد محسن الكثيري
يتأكد يوماً بعد يوم أن الجنوب وصل إلى مفترق لا يمكن تجاوزه بالعاطفة وحدها. كل الطرق التي جربناها خلال السنوات الماضية وخاطبت مشاعرنا ورفعت سقف الحماس ، اصطدمت بجدار واحد: العالم لا يمنح الشرعية إلا لمن يملك مساراً سياسياً واضحاً وموثقاً .
المواجهة والتصعيد والبيانات النارية كانت ضرورية في لحظات معينة ، لكنها لم تنتج اعترافاً، ولم تنتج دولة . لقد استنفدت أغراضها كأدوات ضغط، وبقيت النتيجة معلقة . وما دام القانون الدولي والمواثيق الأممية هي اللغة الوحيدة التي يفهمها العالم اليوم، فلا بد أن نتكلم بها إن أردنا نتيجة .
البديل الوحيد القابل للتحقق هو العودة إلى السياسة بمعناها العملي . أي الدخول في حوار جنوبي جنوبي أولاً لإغلاق ملفات الخلاف ، وتوحيد الموقف حول هدف واحد: استعادة الدولة . لا يمكن الذهاب إلى أي طاولة إقليمية أو دولية ونحن مختلفون في البيت، فالتوافق الداخلي هو أول أوراق القوة .
الخطوة الثانية هي الاتفاق على مسار سياسي مزمن ترعاه الأطراف الإقليمية والدولية في مفاوضات الحل النهائي . مسار له سقف زمني ، ومراحل واضحة: تفاوض ، ترتيبات أمنية ، إدارة انتقالية ، ثم الوصول إلى استفتاء شعبي حر تحت إشراف أممي . كلمة “مزمنة” قد توجع لأننا تعبنا من الانتظار، لكنها توجع أقل بكثير من تكرار التجارب التي لا تفضي إلى شيء . المسار المزمن يمنحنا ضمانة ، ويمنح العالم المبرر السياسي والقانوني للاعتراف، ويمنح شعبنا حقاً لا يمكن مصادرته بعد إعلانه في الصندوق .
البعض يرى في الحوار تنازلاً . والحقيقة أنه العكس فالحوار هو الأداة التي تنقل القضية من مربع الشعارات إلى مربع القرار . والاتفاق هو الذي يحول المطلب من أمنية إلى التزام دولي . والاستفتاء هو الذي يحول التاريخ والنضال إلى شرعية لا يملك أحد إلغاءها .
ما دون ذلك جربناه، جربنا انتظار انهيار الآخرين ، وجربنا الرهان على لحظة غضب تغير المعادلة ، وجربنا مخاطبة العواطف وحدها . كلها خيارات مهمة معنوياً ، لكنها لم تحقق تطلعاتنا عملياً بما في ذلك وهي مسنودة بالوحدات العسكرية الجرارة .
اليوم المطلوب قرار وازن وعقل سياسي . قرار يقول بوضوح: نريد طريقاً لا يستطيع أحد أن يصادره غداً . طريق يبدأ بالحوار ، ويمضي بالاتفاق ، وينتهي باستفتاء شعبي على استعادة الدولة .
هذا ليس تراجعاً ولا مساومة، هذا هو أقصر الطرق وأكثرها إيلاماً للخصوم ، لأنه الطريق الوحيد الذي يعترف به العالم ، ويعترف به القانون ، ويعترف به شعب الجنوب نفسه عندما يقول كلمته في الصندوق .






