اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حضارم في ذاكرة الوطن السعودي .. صفية بن زقر.. حين حفظت الريشة ذاكرة المكان

حضارم في ذاكرة الوطن السعودي .. صفية بن زقر.. حين حفظت الريشة ذاكرة المكان

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
17 اغسطس 2026

حين نتحدث عن الحضارم في ذاكرة الوطن السعودي، فإننا لا نتحدث عن أسماء عابرة في سجل التاريخ، بل عن رجال ونساء انصهرت مسيرتهم في بناء المجتمع السعودي، وأسهموا في تجارته وثقافته وعلمه وفنه، حتى أصبحت قصصهم جزءًا من ذاكرة الوطن نفسه.

ومن بين تلك الأسماء تبرز الفنانة السعودية الرائدة صفية سعيد بن زقر؛ المرأة التي لم تكتفِ بأن ترسم الجمال، بل جعلت من الفن وسيلة لحفظ الذاكرة السعودية من النسيان.

ولدت صفية بن زقر عام 1940م في حارة الشام بقلب جدة التاريخية، في بيئة كانت تختزن في أزقتها وبيوتها ورواشينها وأسواقها صورة مجتمع كامل قبل التحولات العمرانية والاجتماعية الكبرى. وحين عادت إلى جدة بعد سنوات من الدراسة خارج المملكة، وجدت أن المدينة التي حملتها في ذاكرتها بدأت تتغير بسرعة، فاختارت أن تفعل شيئًا استثنائيًا: أن تحفظ ما يتغير بريشتها.

وهنا تكمن قيمة صفية بن زقر التي تتجاوز حدود الفن التشكيلي.

فلوحاتها لم تكن مجرد أعمال جمالية، بل أصبحت في جانب مهم منها وثائق بصرية للتاريخ الاجتماعي السعودي؛ سجلت الملابس، والأعراس، والألعاب الشعبية، والمنازل القديمة، والحرف، والأسواق، والعادات والتقاليد وتفاصيل الحياة اليومية. وكانت تبحث قبل أن ترسم، وتستمع إلى كبار السن، وتراجع الصور والوثائق، وتجمع نماذج الأزياء والمقتنيات، حتى يصبح العمل الفني أقرب إلى شهادة تاريخية مرسومة.

ابنة جدة.. والامتداد الحضرمي

وتكتسب صفية بن زقر مكانة خاصة في هذه السلسلة؛ فهي تنتمي إلى أسرة بن زقر ذات الجذور الحضرمية، وهي من الأسر التي ارتبط اسمها بتاريخ جدة التجاري والاجتماعي، شأنها شأن عدد من الأسر الحضرمية التي انتقلت عبر أجيالها من حضرموت إلى الحجاز، ثم أصبحت جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني السعودي.

وهنا تظهر إحدى الصور الجميلة للحضور الحضرمي في المملكة:

فلم يكن إسهام الحضارم مقتصرًا على التجارة والاقتصاد، كما تختصره بعض الروايات، بل امتد إلى التعليم والثقافة والأدب والعمل الاجتماعي والفنون.

وصفية بن زقر واحدة من أوضح الشواهد على ذلك.

فهي سعودية الهوية والانتماء، حضرمية الجذور الأسرية، جدّاوية الذاكرة والمكان، وعربية الثقافة؛ واجتمعت هذه الدوائر كلها في مشروع فني كرّسته لحفظ التراث السعودي.

رائدة سبقت زمنها

في عام 1968م أقامت صفية بن زقر معرضها الفني في جدة، في زمن لم تكن فيه صالات العرض الفنية بالشكل المعروف اليوم، فكان عليها أن تشق الطريق بنفسها. ومنذ ذلك الوقت أصبحت من أبرز رواد الحركة التشكيلية في المملكة، وأقامت معارض داخل السعودية وخارجها في مدن من بينها لندن وباريس وجنيف.

لكن مشروعها لم يتوقف عند اللوحة.

فقد أنشأت دارة صفية بن زقر لتكون فضاءً ثقافيًا يحتضن أعمالها ومجموعاتها التراثية ومكتبتها ومرسمها، ويتيح للأجيال الجديدة الاقتراب من الفن والتراث والتاريخ الاجتماعي للمملكة.

كما تركت مؤلفات توثيقية مهمة، من بينها «المملكة العربية السعودية: نظرة فنانة إلى الماضي» و**«رحلة ثلاثة عقود مع التراث السعودي»**، ثم كتاب «درزة: مائتا عام في خطى التراث الملبسي على أرض المملكة العربية السعودية».

ولم يغب هذا العطاء عن تقدير الدولة؛ ففي عام 2017م كرّمها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ومنحت وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى تقديرًا لإسهاماتها في الفن والثقافة السعودية.

من حضرموت إلى ذاكرة الوطن

إن قصة صفية بن زقر تحمل معنى أعمق من نجاح فنانة.

إنها نموذج لمسار اجتماعي وتاريخي يستحق الدراسة: كيف جاءت أسر حضرمية إلى الحجاز، وكيف شاركت في حياة مدنه وأسواقه ومؤسساته، ثم خرج من أجيالها تجار ومثقفون وأكاديميون وفنانون أصبحوا جزءًا من التاريخ السعودي الحديث.

ولهذا فإن الحديث عن الحضارم في ذاكرة الوطن السعودي لا ينبغي أن يُختزل في السؤال: من أين جاء هؤلاء؟

السؤال الأهم هو:

ماذا قدموا للوطن الذي أصبح وطنهم؟

وصفية بن زقر تقدم إجابة جميلة على هذا السؤال.

قدمت للوطن ذاكرته.

فحين كانت جدة القديمة تتغير، كانت هي ترسمها.

وحين بدأت بعض الأزياء والعادات والحرف تختفي من الحياة اليومية، كانت توثقها.

وحين كان الفن التشكيلي السعودي لا يزال يشق خطواته الأولى، كانت صفية من الذين فتحوا له الطريق.

رحلت صفية بن زقر في سبتمبر 2024م عن أربعة وثمانين عامًا، لكن ما حفظته بريشتها بقي شاهدًا عليها وعلى عصر كامل من تاريخ المجتمع السعودي.

وهكذا يصبح حضورها في هذه السلسلة أكثر من استعادة لسيرة فنانة؛ إنه استعادة لفصل من فصول الحضور الحضرمي في الذاكرة السعودية، ذلك الحضور الذي لم يقف عند أبواب التجارة والأسواق، وإنما عبر إلى الثقافة والفن وصناعة الوعي وحفظ التراث.

لقد رسمت صفية بن زقر الماضي، لكنها في الحقيقة كانت تعمل من أجل المستقبل.

فالذاكرة التي لا تجد من يحفظها تموت، أما الذاكرة التي تتحول إلى فن… فإنها تعبر الأجيال.

*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*

إغلاق