كثرة المطابخ… والمرق واحد!!
بقلم / محمد مبروك الشنيني
الاحد 16 اغسطس 2026
يبدو المشهد السياسي اليوم في حضرموت أشبه بمطبخٍ كبير تتعدد فيه الأواني، وتتشابك الأصوات خلف الأبواب، وتتوالى حركة الطباخين، بينما يقف الجائعون على عتبة المائدة، ينتظرون طعامًا طال انتظاره… ولم يصل بعد.
تتوالد المجالس، وتتعدد المسميات؛ المجلس الانتقالي، والمؤتمر الجامع، ومجلس حضرموت الوطني، والمجلس التنسيقي الأعلى، وتكثر الاجتماعات، وتتوالى اللقاءات، وتُشكَّل اللجان، وتُرفع الشعارات البراقة، وتصدر البيانات تباعًا، وكأن البلاد على موعد قريب مع وجبة دسمة من الحلول.
لكن المواطن البسيط، الذي أضناه الانتظار وأثقلته أعباء الحياة، لا يرى من كل هذا الحراك سوى دخانٍ يتصاعد من المطابخ، وأصواتٍ تتعالى من خلف الأبواب، فيما تظل المائدة خالية إلا من الوعود.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن للقادم من وراء الميكروفونات أن يتجاهله:
ما قيمة كثرة المطابخ إذا ظل المرق واحدًا؟
وما جدوى تعدد المجالس إذا بقي المواطن يدور في الحلقة ذاتها؟
ليست المشكلة في تعدد المبادرات أو الأطر، فالتعدد قد يكون مصدر قوة حين تتكامل الجهود، وتتقاطع الرؤى، وتتجه جميعها نحو غاية واحدة. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الاجتماع غاية، والبيان بديلًا عن الفعل، والشعار ستارًا يحجب غياب النتائج.
فالمواطن الحضرمي لا يحتاج إلى من يشرح له معاناته؛ فهو يعيشها كل يوم، ويدفع ثمنها من قوته وراحته ومستقبل أبنائه.
يعرف معنى الغلاء، وانتظار الراتب، وشح الخدمات، وانقطاع الكهرباء، وتراجع القدرة على مواجهة أعباء الحياة. ولذلك لم يعد السؤال الذي يشغله:
كم مجلسًا لدينا؟
بل:
ماذا تغير في حياة المواطن؟
كم مشكلة حُلّت؟
كم خدمة تحسنت؟
وكم بيتًا عاد إليه شيء من الطمأنينة؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح على كل مجلس، وكل لجنة، وكل إطار، وكل مشروع سياسي؛ لأن المواطن لا يستطيع أن يأكل بيانات، ولا أن يضيء منزله بالشعارات، ولا أن يسدد احتياجات أسرته بالوعود.
فإذا كانت المجالس تتعدد، فليتعدد معها الإنجاز.
وإذا كثرت الاجتماعات، فليكثر معها الحل.
وإذا ارتفعت الشعارات، فليكن أثرها أوضح من صوتها.
حضرموت لا ينقصها الكلام؛ فقد قيل الكثير. ولا ينقصها تشخيص المعاناة؛ فهي أوضح من أن تحتاج إلى تشخيص جديد. ما تحتاجه هو ترجمة الكلام إلى فعل، والرؤية إلى مشروع، والاجتماع إلى قرار، والقرار إلى نتيجة يلمسها المواطن في حياته اليومية.
فالسياسة التي لا تنعكس على حياة الناس ليست أكثر من ضجيجٍ أنيق، والمجلس الذي لا يترك أثرًا في واقع الناس، مهما كان اسمه براقًا، يظل جزءًا من المشهد… لا جزءًا من الحل.
لقد طال انتظار المواطن، ولم يعد يبحث عن مطبخ جديد، ولا عن اسم جديد، ولا عن بيان جديد.
إنه يبحث عن حياة أقل وجعًا، وخدمات تحفظ كرامته، وأمنٍ يطمئن إليه، ومستقبلٍ يستطيع أن يراه بعينٍ أقل خوفًا.
يريد أن يشعر أن كل هذا الحراك السياسي، وكل هذه الاجتماعات، وكل هذه الأطر، وكل هذه الشعارات، لم تكن من أجل صناعة المزيد من المسميات، وإنما من أجله هو.
فالمواطن لا يعنيه عدد المطابخ بقدر ما يعنيه أن يصل الطعام إلى مائدته.
ولا يعنيه عدد الطهاة بقدر ما يعنيه أن يتغير مذاق الحياة.
كثرت المطابخ… وتعددت الأواني… وتعالت الأصوات،
لكن المرق ما زال واحدًا.
آن الأوان أن ندرك أن المائدة لا تُملأ بكثرة المطابخ، وإنما بما تخرجه هذه المطابخ من طعامٍ نافع يصل إلى الجائعين.
فالناس لم تعد تنتظر مزيدًا من الكلام…
إنها تنتظر نتيجة.






