مشروع المجلس التنسيقي للأحزاب والمكونات السياسية بحضرموت .. توحيد الرؤية لا إزاحة الأولويات
بقلم / الأستاذ فؤاد سالم باربود
الاحد 16 اغسطس 2026
تشكيل المجلس التنسيقي للأحزاب والمكونات السياسية بحضرموت فكرة مهمة وإيجابية، إذا ما أُحسن توظيفها ووُضعت في إطارها الصحيح؛ فحضرموت اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى توحيد الحد الأدنى من التصورات والرؤى حول قضاياها ومستقبلها، وإلى بناء موقف سياسي حضرمي متماسك يستطيع أن يعبر عن مصالح المحافظة ويحمي حقوق أبنائها في أي حوار قادم، سواء كان في إطار الحوار الجنوبي ـ الجنوبي، أو في إطار التسوية السياسية الشاملة التي ستأتي بعد انتهاء الحرب واستعادة الدولة وإنهاء انقلاب مليشيات الحوثي.
إن اختلاف القوى السياسية والمكونات في حضرموت أمر طبيعي، بل إن التنوع السياسي والاجتماعي مصدر قوة حين يُدار بالحوار والمسؤولية، لكن الخطر يكمن في أن تتحول التباينات إلى صراع يستنزف المحافظة ويبدد قدرتها على تقديم نفسها طرفاً سياسياً فاعلاً، أو أن تترك الآخرين يرسمون مستقبل حضرموت بينما تنشغل مكوناتها بالخلافات البينية.
ومن هنا تأتي أهمية المجلس التنسيقي باعتباره منصة للحوار وتنسيق المواقف وبناء التصورات المشتركة، وليس بديلاً عن مؤسسات الدولة، ولا إطاراً لمصادرة أدوار المكونات، ولا وسيلة لإقصاء أي طرف حضرمي.
لكن، وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تكون هناك رؤية واضحة بشأن دور السلطة المحلية وأولوياتها.
فالسلطة المحلية، ممثلة بعضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ حضرموت الأستاذ سالم الخنبشي، والوكلاء والقيادات التنفيذية، أمامها مسؤوليات يومية واستحقاقات مباشرة تتعلق بحياة المواطنين ومعيشتهم وخدماتهم وأمنهم واستقرارهم. ولذلك لا ينبغي أن يتحول الانشغال بالملف السياسي والتنسيق بين المكونات إلى المهمة الأساسية التي تستنزف وقت وجهد قيادة السلطة المحلية.
السلطة المحلية ينبغي أن يكون شغلها الشاغل إدارة شؤون الناس وتخفيف معاناتهم وتحسين مستوى الخدمات وتهيئة الظروف لحياة كريمة.
فالمواطن الحضرمي لا ينتظر فقط بيانات سياسية أو اجتماعات ومؤتمرات؛ بل ينتظر كهرباء مستقرة، ومياهًا متاحة، وخدمات صحية وتعليمية أفضل، ومرتبات منتظمة، وفرص عمل، وأمناً واستقراراً، وإدارة حكومية أكثر كفاءة، ومؤسسات تقوم بواجباتها بعيداً عن الفساد والمحسوبية.
ومن هنا فإن المطلوب ليس إبعاد السلطة المحلية عن المشهد السياسي، وإنما إعادة ترتيب الأولويات وتوزيع الأدوار.
يمكن للسلطة أن تدعم المسار السياسي العام، وأن تكون جزءاً من إدارة الأزمة، وأن تتواصل مع مختلف المكونات، لكن عليها في المقابل أن تمنح الملفات الخدمية والتنموية والاقتصادية والإدارية المساحة الأكبر من اهتمامها.
وهنا تبرز الحاجة إلى إنشاء فرق متخصصة مساندة للسلطة المحلية في مختلف الملفات: فريق اقتصادي، وفريق للخدمات والطاقة، وفريق للتنمية والاستثمار، وفريق للإدارة والحوكمة، وفريق للتواصل المجتمعي، وفريق لمعالجة الأزمات، بحيث تعمل هذه الفرق بصورة مهنية وتقدم للسلطة الخيارات والدراسات والحلول، بدلاً من أن تبقى كل الملفات مرهونة باجتماعات القيادة التنفيذية وحدها.
حضرموت تمتلك من الكفاءات والخبرات والعقول ما يؤهلها لبناء نموذج إداري مختلف، لكن المشكلة في كثير من الأحيان ليست غياب الكفاءات، وإنما ضعف توظيفها وغياب العمل المؤسسي المتخصص.
إن المرحلة القادمة تحتاج إلى فصل واضح بين صناعة الموقف السياسي وإدارة السلطة التنفيذية اليومية، مع تكامل الطرفين لا تنافسهما.
المجلس التنسيقي للأحزاب السياسية والمكونات المجتمعية يمكن أن يكون عقلًا سياسيًا جامعًا يساعد حضرموت على بناء رؤيتها وموقفها التفاوضي، بينما تتفرغ السلطة المحلية لإدارة المحافظة وخدمة المواطنين وتحسين الاقتصاد والخدمات وتعزيز الاستقرار.
وهذا التكامل هو الطريق الصحيح.
فحضرموت لا تحتاج إلى مزيد من مراكز النفوذ المتنافسة، بقدر ما تحتاج إلى توزيع ذكي للأدوار، وتنسيق للمواقف، وتكامل بين السياسي والتنفيذي والمجتمعي.
وإذا نجح المجلس التنسيقي في بناء رؤية حضرمية مشتركة، ونجحت السلطة المحلية في تحسين حياة الناس، فإن حضرموت ستكون أكثر قدرة على حماية مصالحها وفرض حضورها في أي ترتيبات أو تسويات سياسية قادمة.
أما أن ينشغل الجميع بالصراع على المواقع والأدوار، بينما تتفاقم معاناة المواطن وتتراجع الخدمات، فذلك لن يخدم حضرموت ولا مستقبلها.
حضرموت اليوم بحاجة إلى من يوحد رؤيتها سياسياً، ومن يدير شؤونها بكفاءة، ومن يخفف معاناة أهلها واقعياً.
وهذه ليست أدواراً متعارضة، بل مسؤوليات متكاملة، إذا أحسن الجميع أداءها، فإن حضرموت ستكون أقوى في حاضرها، وأكثر حضوراً وتأثيراً في رسم مستقبل اليمن.






