اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حضرموت ليست خُمسًا في دفتر الشرعية! .. حين يصبح «الحق» 20%… وتبقى الـ80% بلا سؤال!

حضرموت ليست خُمسًا في دفتر الشرعية! .. حين يصبح «الحق» 20%… وتبقى الـ80% بلا سؤال!

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
14 اغسطس 2026

استمعت إلى حديث رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي عن حضرموت، وانتظرت أن أسمع شيئًا يوازي ثقل حضرموت وثرواتها وتضحيات أهلها، أو على الأقل إجابة جديدة عن السؤال القديم: من يملك ثروة حضرموت، ومن يقرر أين تذهب؟

لكنني وجدت نفسي أمام الوصفة ذاتها، بعد إعادة تغليفها بلغة أنيقة: حقوق، حوكمة، شفافية، تنمية، لامركزية، مستقبل، ميناء بروم… ثم نعود في نهاية المطاف إلى الرقم السحري نفسه:

20% لحضرموت!

وكأن حضرموت شريك صغير في ثروتها، لا صاحبة الأرض التي يخرج منها النفط.

والأطرف أن هذه الـ20% تُقدَّم اليوم وكأنها إنجاز ينبغي للحضرمي أن يصفق له، مع أن السؤال الذي كان ينبغي أن يسبق كل شيء هو:

من قرر أصلًا أن حق حضرموت هو 20%؟

وبأي قانون سياسي أو اقتصادي أو أخلاقي أصبحت الأرض التي تنتج الثروة تستحق الخُمس، بينما تذهب الأربعة أخماس إلى سلطة مركزية لا يزال الحضارم يسألون منذ سنوات: ماذا قدمت لهم مقابلها؟

من «الخُمس» الحوثي… إلى «خُمس» الشرعية!

ولأن الرقم 20% يساوي حسابيًا الخُمس، فإن للمشهد مفارقة ساخرة يصعب تجاوزها.

لقد أمضت «الشرعية» سنوات وهي تهاجم الفكر الكهنوتي الحوثي، ومن أبرز رموزه مفهوم الخُمس الذي ارتبط في الخطاب الحوثي بامتيازات السلالة و«السيد» وحقه المزعوم في أموال الناس.

ثم نصل إلى حضرموت، فإذا بالمعادلة تنقلب بصورة تستحق التأمل:

هناك كان الحديث عن خُمسٍ للسيد…

وهنا يصبح الحديث عن خُمسٍ لحضرموت من ثروتها هي!

يا للمفارقة!

حتى الحوثي في منطقه الكهنوتي يقول: أعطوني الخُمس.

أما في المعادلة المفروضة على حضرموت، فكأن «شرعية المشردين» تقول للحضرمي:

نحن نأخذ الأربعة أخماس، ونتكرم عليك بالخُمس من مالك، ثم نراقبك لنتأكد كيف أنفقت خُمُسك!

فهل انتقلت عدوى «سيّد الخُمس» من صعدة إلى فنادق الشرعية، ولكن بالمقلوب؟

وهل أصبح لدينا «سي السيد» الآخر الذي لا يطالب بالخُمس لنفسه، بل يحتفظ بالأربعة أخماس، ثم يمنح صاحب الأرض الخُمس ويطلب منه أن يشكره على «اللامركزية»؟

إنها مفارقة سياسية ساخرة، لكنها تكشف خللًا عميقًا في طريقة التفكير: عندما تتحول ثروة صاحب الأرض إلى مال يقرر المركز مقدار ما يعيده إليه، فنحن لم نغادر عقلية الوصاية؛ لقد غيرنا فقط قاموسها.

الحوثي يسميها «حق الخُمس»، والشرعية تسميها «حصة المحافظة»، ثم تأتي مفردات الحوكمة والشفافية والرقابة المركزية لتجميل المشهد.

أما الحضرمي فعليه أن يسأل السؤال الذي يفسد هذه اللعبة كلها:

ولماذا أكون أنا صاحب الأرض والثروة… ثم أخرج في نهاية الحساب بالخُمس؟

لذلك، لسنا بحاجة إلى «سيّد خُمس» جديد، ولا إلى مركز يقرر لنا كم نستحق من أموالنا.

وإلا فإن الفرق بين «الخُمس الكهنوتي» و«خُمس الشرعية» سيصبح مادة ممتازة للسخرية السياسية:

ذاك يريد خُمس مالك لأنه يزعم أنه سيّد عليك…
وهؤلاء يعطونك خُمس مالك وكأنهم هم السادة عليك!

والحضرمي لا يحتاج سيدًا جديدًا.

يحتاج فقط أن يكون سيد قراره.

الاحتلال حين يتعلم لغة الحوكمة

في رأيي، المشكلة في المقابلة ليست فيما قيل فقط، بل فيما جرى تثبيته ضمنيًا.

فحين يقال إن لحضرموت «حقًا» في مواردها، ثم يُختزل هذا الحق مباشرة في 20%، فإننا لا نكون أمام اعتراف كامل بالحق، بل أمام إعادة تعريف للحق بما يناسب المركز.

وأنا أرى أن المقابلة، بدل أن تفتح الباب أمام إعادة النظر في علاقة حضرموت بثرواتها وقرارها، أعادت تكريس المعادلة القديمة نفسها؛ أو بعبارة أوضح: تكريس استمرار الاحتلال اليمني لحضرموت اقتصاديًا وسياسيًا، ولكن هذه المرة بعبارات الحوكمة واللامركزية.

فالمشكلة ليست في أن يقال للحضارم: لكم 20%.

المشكلة في أن يظل هناك من يفترض أصلًا أنه صاحب الحق في تحديد النسبة التي «يعطيها» لحضرموت من ثروتها.

وحين يقال بعد ذلك إن هذه النسبة ينبغي أن تخضع لـ«رقابة المركز»، يصبح المشهد أكثر إثارة للسخرية:

حضرموت تنتج المال، ثم تحصل على جزء منه، ثم يأتي من أخذ الجزء الأكبر ليقول لها إنه سيشرف على كيفية إنفاقها للجزء الأصغر!

يا لها من لامركزية عجيبة!

إذا كانت الشفافية هي الحجة، فنحن معها حتى النهاية.

لكن لماذا تبدأ الشفافية عند باب حضرموت ولا تبدأ من باب المركز؟

إذا كان السؤال: أين ذهبت مئات الملايين التي قيل إنها وصلت إلى حضرموت؟

فالسؤال الذي يسبقه هو:

أين ذهبت مليارات حضرموت أصلًا؟

ومن استلمها؟

ومن باع النفط؟

ومن أدار الإيرادات؟

وكم دخل الخزينة؟

وكم خرج منها؟

ومن المستفيد من الـ80% التي لا تكاد تظهر في النقاش؟

لا نريد نصف شفافية.

افتحوا الدفاتر كلها.

نصف مليار دولار؟ ممتاز… أعطونا كشف الحساب

تحدث الرئيس عن أكثر من نصف مليار دولار قيل إنها ذهبت إلى حضرموت، وعن غياب الشفافية في أوجه صرفها.

وهنا لا ينبغي للحضرمي أن يغضب من السؤال؛ بل عليه أن يطالب بأن يُستكمل حتى نهايته.

نعم، أين ذهب نصف المليار؟

لكن أيضًا:

كم بلغت القيمة الإجمالية للنفط والموارد التي خرجت من حضرموت خلال الفترة نفسها؟

كم كان نصيب المركز؟

ومن تصرف فيه؟

وما الذي عاد منه إلى حضرموت بنيةً تحتية ومستشفيات وجامعات وكهرباء ومياه وطرقًا وتنمية؟

لا يجوز أن توضع الـ20% تحت المجهر، بينما تمر الـ80% من الباب الخلفي بلا تدقيق.

هذه ليست شفافية؛ هذه شفافية بعين واحدة.

نريد برلمانًا حضرميًا… لا وصاية مالية

وإذا كان الرئيس يتحدث فعلًا عن «اللامركزية المالية والإدارية»، فلنأخذ كلامه على محمل الجد.

حضرموت بحاجة إلى برلمان حضرمي خالص، منتخب من أهلها، يشرّع لمصالحها، ويراقب مالها، ويحاسب سلطتها التنفيذية، ويقر ميزانيتها وأولويات التنمية فيها.

فمن غير المقبول أن تبقى القرارات المتعلقة بثروات حضرموت ومستقبل أبنائها رهينة مؤسسات مركزية لا يملك الحضارم فيها قرارهم المستقل.

ولا يعقل أن يكون مشرّع حقوق حضرموت هو نفسه المستفيد من إبقاء معظم مواردها خارج يدها.

نريد مؤسسة تشريعية حضرمية تقول باسم الحضارم:

هذه أولوياتنا.

هذه ميزانيتنا.

هذه مواردنا.

وهذه الطريقة التي قرر أهل حضرموت إدارتها بها.

والحوكمة الحقيقية لا تعني استبدال الوصي القديم بوصي يرتدي ربطة عنق ويتحدث عن الشفافية.

الحوكمة تعني:

أن يعرف صاحب المال أين ذهب ماله، وأن يملك حق تقرير كيفية إنفاقه.

وإذا أردتم الحديث بالنسب… فلنقلب المعادلة

إذا كان لا بد من لغة الـ20% والـ80%، فلنبدأ من المنطق الطبيعي:

80% على الأقل لحضرموت… و20% للمركز.

وهذا في تقديري أقل ما يمكن القبول بطرحه في أي مرحلة انتقالية.

بل إن هذه النسبة نفسها ينبغي ألا تتحول إلى سقف أبدي، وإنما إلى حد أدنى تفاوضي إلى أن يُحسم السؤال الأكبر:

ما الوضع السياسي والقانوني الذي يريده الحضارم لأنفسهم؟

فالأصل ليس أن يفاوض الحضرمي على مقدار ما يعاد إليه من ثروته.

الأصل أن يكون هو صاحب القرار في ثروته، ثم يقرر عبر مؤسساته المنتخبة ما يخصصه للالتزامات المشتركة.

هناك فرق هائل بين أن تقول لحضرموت:

«سنعطيكم 20% من مواردكم»

وبين أن تقول:

«هذه مواردكم، وأنتم أصحاب القرار فيها ضمن نظام مالي وقانوني متفق عليه».

الأولى عقلية وصاية.

والثانية عقلية شراكة.

«حضرموت أكبر من النفط»… نعم، ولهذا تحديدًا يجب أن تقرر مصيرها

قيل إن حضرموت أكبر من النفط.

وأنا أتفق تمامًا.

حضرموت أكبر من النفط، وأكبر أيضًا من نسبة 20%.

هي بحر وموانئ وموقع استراتيجي وثروة سمكية ومساحة شاسعة وكادر بشري وتاريخ تجاري وحضاري وامتداد عالمي لجاليتها.

لكن هذه الحقيقة تقود إلى نتيجة مختلفة تمامًا:

إذا كانت حضرموت بكل هذه المقومات، فلماذا يُختزل دورها في انتظار ما يقرره الآخرون لها؟

بل إن تعداد عناصر قوة حضرموت في المقابلة يقدم، من حيث لا يدري صاحبه، حجة قوية لرفع سقف المطالب الحضرمية.

حضرموت التي تملك كل هذه المقومات ليست قاصرًا سياسيًا يحتاج إلى من يدير مستقبله نيابة عنه.

ميناء بروم… نريد ميناءً لا وعدًا جديدًا

أما الحديث عن مشروع ميناء بروم وأن دراساته جاهزة، فهو أمر يستحق الاهتمام، لكن الحضارم شبعوا من الدراسات والوعود والمشروعات التي تعيش طويلًا على الورق.

إذا كانت الدراسات جاهزة، فأين هي؟

من أعدها؟

ما تكلفتها؟

ما الجدول الزمني للتنفيذ؟

من سيمول المشروع؟

ومن سيديره؟

والأهم:

هل ستكون عائداته لحضرموت، أم سنكتشف بعد افتتاحه أن لحضرموت منه 20% أيضًا؟!

حضرموت لا تحتاج إلى ميناء جديد فقط.

تحتاج إلى قرار اقتصادي يجعل موانئها وثرواتها أدوات لبناء مستقبل أبنائها.

لا نريد «قاطرة» تجر عربات الآخرين

أما وصف حضرموت بأنها يمكن أن تصبح «قاطرة للتنمية»، فهو جميل جدًا.

لكن السؤال الساخر:

قاطرة لمن؟

هل المطلوب أن تنتج حضرموت النفط، وتفتح الموانئ، وتجذب الاستثمار، وتتحمل الأعباء، ثم تجر خلفها قطارًا طويلًا بينما يبقى قرار القاطرة في غرفة تحكم بعيدة؟

حضرموت لا ترفض أن تكون عنصر استقرار وازدهار للمنطقة.

لكن قبل أن تكون قاطرة للآخرين، من حقها أن تكون صاحبة القاطرة.

رسالتي للحضارم: ارفعوا سقف المطالب

المشكلة الأخطر ليست أن يعرض عليك الآخر سقفًا منخفضًا.

المشكلة أن تتبنى أنت سقفه ثم تبدأ التفاوض تحته.

ولهذا أرى أن المرحلة القادمة يجب ألا يكون عنوانها:

كيف نضمن الـ20%؟

بل:

من أعطى أحدًا الحق في تحديد مستقبل حضرموت وثرواتها دون إرادة أهلها؟

يجب أن ينتقل الخطاب الحضرمي من المطالبة بحصة إلى المطالبة بالسيادة على القرار المحلي والاقتصادي، وبمؤسسات تمثيلية حضرمية حقيقية، وبضمانات سياسية وقانونية لمستقبل حضرموت.

الحضارم ليسوا في حاجة إلى تحسين شروط الوصاية.

إنهم بحاجة إلى مناقشة أصل الوصاية نفسها.

والرسالة الأهم إلى دار الحزم والعزم

وفي تقديري، فإن الخطاب الحضرمي لا ينبغي أن يبقى حبيس مخاطبة «شرعية المشردين»؛ فهي ليست الجهة الوحيدة التي ينبغي أن يوجه الحضارم رسالتهم إليها، ولا ينبغي أن تكون سقف مطالبهم.

الرسالة الأهم يجب أن تتجه، في الدرجة الأولى، إلى دار الحزم والعزم؛ المملكة العربية السعودية، باعتبارها الطرف الإقليمي الأهم والأكثر تأثيرًا في مسار التسوية ومستقبل المنطقة.

كما يجب أن تصل الرسالة الحضرمية بوضوح إلى الرباعية والمجتمع الدولي:

قضية حضرموت ليست مجرد خلاف محاسبي على نسبة من عائدات النفط.

وليست مشكلة خدمات يمكن إسكاتها بمحطة كهرباء أو مشروع طريق أو وعد بميناء.

القضية أعمق من ذلك بكثير.

إنها قضية أرض وثروة وهوية وقرار ومستقبل.

ولهذا يجب أن ينتقل الخطاب الحضرمي من:

«أعطونا حصتنا»

إلى:

«اعترفوا بحقنا في تقرير مصيرنا».

ليس المطلوب فرض نتيجة مسبقة، وإنما المطالبة بمسار سياسي وقانوني وسلمي، يتيح للحضارم أنفسهم تحديد المستقبل الذي يريدونه لأرضهم.

فإذا كان العالم يتحدث عن السلام والاستقرار والتسويات السياسية، فكيف يمكن بناء سلام دائم بينما يُترك شعب كامل خارج معادلة تقرير مستقبله؟

لا تفاوضوا على الفتات… تفاوضوا على المستقبل

هذه هي اللحظة التي ينبغي فيها للحضارم أن يرفعوا سقف خطابهم.

لا تجعلوا أقصى أحلامكم أن تصل الـ20% في موعدها.

ولا تجعلوا أعظم انتصاراتكم أن يسمح لكم المركز بإنفاقها تحت رقابته.

طالبوا بكشف حساب كامل.

طالبوا بإدارة حضرمية للثروة.

طالبوا ببرلمان حضرمي.

طالبوا بصلاحيات سياسية ومالية حقيقية.

وطالبوا قبل ذلك وبعده بحق الحضارم في تقرير مصير حضرموت.

فمن يبدأ المفاوضات طالبًا الفتات، قد يعود بالفتات.

أما من يدخلها وهو يعرف قيمة أرضه وثروته وموقعه وحقه، فإنه يفرض سؤالًا مختلفًا على الجميع.

من «أين ذهبت الـ20%؟» إلى «من يملك الـ100%؟»

وهنا جوهر القضية كلها.

نجحت السياسة المركزية سنوات طويلة في جعل الحضرمي منشغلًا بالسؤال:

أين ذهبت حصتنا؟

لكن السؤال الذي ينبغي أن يبدأ اليوم هو:

من قال أصلًا إننا مجرد «حصة»؟

حضرموت ليست 20%.

وحضرموت ليست بئر نفط تنتظر حوالة مالية من المركز.

وحضرموت ليست خزينة مفتوحة ثم يُطلب من أهلها تقديم إيصالات صرف ما أعيد إليهم منها.

حضرموت أرض وإنسان وتاريخ وثروة ومستقبل.

والمقابلات مهما ازدحمت بمفردات التنمية والحوكمة والشفافية لن تحسم سؤالًا سياسيًا بدأ يكبر يومًا بعد يوم:

من يقرر مستقبل حضرموت؟

وجوابي بسيط:

الحضارم.

فليكن مطلب المرحلة:

برلمان حضرمي.
قرار حضرمي.
إدارة حضرمية للثروة.
كشف حساب كامل عن الماضي.
وحق حضرمي أصيل في تقرير المصير.

أما أن تستمر المعادلة القديمة:

نأخذ منكم 100، ثم نعيد لكم 20، ثم نراقب كيف تنفقونها…

فهذا ليس «حقًا».

هذا إيصال استلام طويل لحلب حضرموت، ولكن هذه المرة تحت عنوان أنيق اسمه: الحوكمة.

والحضرمي الذي اكتشف اللعبة لا ينبغي أن يسأل بعد اليوم:

«متى يصل الخُمس؟»

بل عليه أن يسأل:

«ومن أعطاكم الأربعة أخماس؟»

المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع

إغلاق