اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

التقارب السعودي التركي الباكستاني… نواة مشروع حضاري للأمة

التقارب السعودي التركي الباكستاني… نواة مشروع حضاري للأمة

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : انس علي باحنان
7 اغسطس 2026

يشهد العالم اليوم تحولاتٍ متسارعة، تتبدل معها موازين القوى، و تتغير خرائط النفوذ والتحالفات، حتى بات من الواضح أن النظام الدولي الذي هيمن على العالم لعقود يمر بمرحلة إعادة تشكل قد تفضي إلى ولادة نظام عالمي جديد أكثر تعدداً في مراكز التأثير. وفي خضم هذه التحولات، تلوح أمام الأمة الإسلامية فرصة تاريخية لاستعادة شيءٍ من مكانتها الحضارية، واستنهاض عناصر قوتها الكامنة، متى ما أحسنت قراءة المتغيرات، ووحدت إرادتها، واستثمرت إمكاناتها الهائلة.
ولعل من أبرز ملامح هذه المرحلة انشغال القوى الكبرى بأزماتها الداخلية والخارجية، وبصراعاتها الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية، الأمر الذي أوجد هامشاً أوسع لحركة الدول الإسلامية بعيداً عن كثير من صور الهيمنة والوصاية التي طبعت العلاقات الدولية خلال العقود الماضية. ومن هنا تبرز أهمية أي تقارب استراتيجي يجمع بين دول إسلامية كبرى تمتلك من المقومات السياسية والاقتصادية والعسكرية والبشرية ما يؤهلها لصناعة مستقبل مختلف.
وفي هذا السياق، يكتسب التقارب بين المملكة العربية السعودية، بلاد الحرمين الشريفين ومهبط الوحي، والجمهورية التركية، وريثة آخر دولة حملت راية الخلافة الإسلامية، وجمهورية باكستان الإسلامية، التي أنجبت نخبةً من كبار علماء الأمة ومحدثيها، وأثرت المكتبة الإسلامية بمصنفات علمية خالدة، أهميةً خاصة تتجاوز حدود التعاون العسكري إلى آفاقٍ أرحب من العمل الإسلامي المشترك.
وإذا ما كُتب لهذا التقارب أن يتطور إلى اتفاقيات دفاعية واستراتيجية راسخة، فإنه قد يمثل نواةً لتحالف عربي وإسلامي أوسع، يقوم على التعاون والتكامل، ويظل مفتوحاً أمام جميع الأقطار العربية والإسلامية دون استثناء، انطلاقاً من المصالح المشتركة ووحدة المصير، بعيداً عن منطق الاستقطاب والإقصاء.
غير أن نجاح مثل هذه الخطوات يقتضي ألا يبقى نطاقها محدوداً، بل ينبغي أن يتسع تدريجياً ليشمل دولاً عربية وإسلامية أخرى وفقاً لما تمثله من أهمية استراتيجية وجيوسياسية. وفي مقدمة هذه الدول تبرز اهمية مصر واليمن ؛ فمصر تمثل إحدى أهم ركائز الأمن العربي والإسلامي، وتشرف على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، فيما يحتل اليمن موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية بإشرافه على مضيق باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة الدولية. ومع احتدام التنافس العالمي على البحار والمضائق والمنافذ الاستراتيجية، تتضاعف أهمية بناء رؤية مشتركة تحفظ لهذه المنطقة أمنها واستقرارها، وتعزز قدرتها على حماية مصالحها.
ومع ذلك، فإن طموح الأمة ينبغي ألا يتوقف عند حدود اتفاقيات الدفاع المشترك، على أهميتها، بل لا بد أن تتبعها منظومة متكاملة من الاتفاقيات الاقتصادية، والمالية، والعلمية، والثقافية، والتقنية، والسياسية، وتبادل الخبرات، وتنسيق المواقف، وإقامة المشاريع التنموية المشتركة، بما يحقق التكامل الحقيقي بين الدول العربية والإسلامية، ويحول مواردها الضخمة وإمكاناتها البشرية الهائلة إلى قوة حضارية شاملة.
إن الأمة الإسلامية تمتلك من الثروات الطبيعية، والموقع الجغرافي، والطاقات البشرية، والإرث الحضاري، ما يجعلها مؤهلة لأن تكون قطباً عالمياً فاعلاً ومؤثراً، لا قوةً عسكرية فحسب، بل قوةً اقتصاديةً وعلميةً وثقافيةً تسهم في صناعة الأمن والاستقرار والتنمية، وتشارك في بناء عالم أكثر توازناً وعدلاً.
صحيح أن الطريق ليس مفروشاً بالورود، وأن التحديات كبيرة، والعقبات كثيرة، غير أن الأمم العظيمة لا تُبنى بالأماني، وإنما بالإرادة الصلبة، والتخطيط المحكم، والعمل الدؤوب، والثقة بالله سبحانه وتعالى، ثم بالاعتماد على الذات وتعظيم المشتركات وتغليب المصالح العليا.
ولعل الظروف الدولية الراهنة تبدو أكثر تهيؤاً من أي وقت مضى لمثل هذا المشروع الحضاري، فإذا أحسن قادة العالم العربي والإسلامي استثمار هذه اللحظة التاريخية، فقد تكون بداية مرحلة جديدة تستعيد فيها الأمة شيئاً من عزتها وريادتها، وتسهم بدورٍ إيجابي في خدمة الإنسانية، وتحقيق الأمن والسلام، بعد عقود طويلة من التراجع والتشتت.
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، وبالله التوفيق.

*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*

إغلاق