لنحمي مجتمعنا من التآكل الداخلي
بقلم : محمد سعيد كلشات
مديرعام الإعلام – عضو لجنة السلم والتلاحم المجتمعي – محافظة المهرة
تشهد مدينة الغيضة، عاصمة محافظة المهرة، حراكاً اجتماعياً لافتاً من خلال اللقاءات المستمرة التي تجمع السلطة المحلية، وممثلين عن فروع الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، الشخصيات الاجتماعية، وعقال الحارات، والعلماء والخطباء، تتبناه لجنة السلم والتلاحم المجتمعي.
هذه اللقاءات لم تكن مجرد اجتماعات بروتوكولية عابرة، بل كانت مرآة حقيقية تعكس نبض الشارع وهموم المواطن اليومية.
غير أن استعراض هذه الهموم يضعنا أمام حقيقة لا تقبل التأجيل أو التغاضي، إما أن نتحرك بجدية اليوم، أو ندفع الثمن باهظاً غداً.
إن القضايا التي تم طرحها بشفافية ومسؤولية بالغة تمس عصب الحياة اليومية للمواطن، وتكشف عن تحديات جسيمة إن تركناها تبتلع واقعنا، فإنها ستقود المجتمع نحو تفكك خطير. ومن أبرز هذه الظواهر، التسول والهجرة غير النظامية، وانتشار أعداد كبيرة من المهاجرين القادمين من إثيوبيا والصومال بطرق غير نظامية،
وما يرافق ذلك ظواهر التسول العشوائي في الشوارع و الحارات وسرقات السيارات من أمام المنازل والبيوت، وهو ما يفرض معالجة أمنية وإنسانية حاسمة تضمن ضبط الأمن وتحافظ على المظهر الحضاري للمدينة.
كما تم مناقشة الاختناقات بسوق الغيضة والأثر السلبي المتمثل في استمرار بيع القات وسط المدينة وسوقها العام، وما يسببه ذلك من ازدحام خانق, تعطيل لحركة السير.
ومما تمت مناقشته ظاهرة إطلاق الأعيرة النارية في المناسبات بشكل هستيري، غير عقلاني وغير حضاري. هذه الممارسات الطائشة تحول أفراحنا إلى مآتم، وتتسبب في إزعاج المواطنين الآمنين، فضلاً عن الإصابات المميتة التي تخلفها “الرصاصات الراجعة” لتطال أبرياء يجلسون أمام منازلهم أو على سطوح بيوتهم.
وهناك التحدي الأكبر الذي يهدد عصب الحاضر وأمل المستقبل (الشباب)، والذي استدعى تحركاً استباقياً نوعياً كمبادرة “مرصد أين للحقوق والحريات” في تبني حملات توعية وفعاليات مجتمعية حمايةً للجيل الناشئ.
في خضم هذه التحديات، تبرز لجنة السلم والتلاحم المجتمعي كعلامة فارقة رغم حداثة تشكيلها. فقد أثبتت خطواتها الأولى أن العمل الجاد والمقارب لهموم الناس يحقق نتائج طيبة وملموسة.
لكن، هل تكفي جهود لجنة وحدها لمواجهة تركة ثقيلة من الظواهر السلبية؟
الواقع يؤكد أن نجاح هذه اللجنة واستمرارها لا يمكن أن يتحقق إلا بتضافر الجهود المشتركة، وتلاحم شعبي حقيقي يدعم كل خطوة تصب في مصلحة الأمن والاستقرار.
إن بقاء الوضع على ما هو عليه اليوم دون وقفة جادة ومحاسبة مجتمعية ورسمية يعني باختصار، تفكك النسيج الاجتماعي، وتراجع القيم التي تميز مجتمعنا المهري من تراحم وألفة.
وقد يحدث لا قدر الله انفلات للظواهر المخلة، وتحول السلوكيات الشاذة إلى أعراف مقبولة يصعب اقتلاعها لاحقاً، ونصل إلى فقدان الشعور بالأمان: وهو النعمة الأغلى التي تبنى عليها الأوطان وتستقر بها المجتمعات.
المهرة بيتنا الكبير، وهمومنا واحدة، والحلول مبذولة متى ما توفرت الإرادة الصادقة. إن مواجهة هذه الظواهر ليست مسؤولية الجهات الأمنية وحدها، بل هي فرض عين على كل أب ووجيه وعاقل حارة وكل شاب يغار على مصلحة مدينته. فلنقف جميعاً يداً بيد، ولنجعل من لجنة السلم والتلاحم درعاً حصيناً يحمي مجتمعنا من التصدع، فالتاريخ لا يرحم المتخاذلين، والمستقبل يصنعه الرجال الأوفياء اليوم لا غداً.






