ماخفي أعظم…مما تراه العيون!!!
بقلم | محمد مبروك الشنيني
الأحد 26 يوليو 2026
ليس كل وجعٍ يُروى، ولا كل دمعةٍ تُرى، فهناك قلوبٌ أتقنت الصبر حتى ظنها الناس بخير، بينما هي تخوض معارك لا يعلم تفاصيلها إلا الله.
في زمن الأوجاع الصامتة، لم يعد الفقر مجرد قلة مال، ولم تعد المعاناة تُقاس بما تخلو منه الجيوب، بل بما يعتصر القلوب من عجزٍ وألم. فهناك من يمضي بين الناس مبتسمًا، يحمل على كتفيه أثقال الحياة، ويخفي في صدره حكاياتٍ لو نطقت لأبكت الحجر قبل البشر.
لقد فرضت سنوات الحرب والأزمات الاقتصادية في بلادنا واقعًا بالغ القسوة على آلاف الأسر. ارتفعت الأسعار حتى لامست حدود المستحيل، وتآكلت القدرة الشرائية، وأصبحت الرواتب – إن حضرت – تغيب قيمتها قبل أن تنقضي أيامها الأولى. وبين غلاءٍ لا يرحم، واحتياجاتٍ لا تتوقف، يقف الأب وحيدًا في مواجهة معركة يومية، يحاول أن يصنع من القليل كثيرًا، وأن يحول الضيق إلى طمأنينة، والخوف إلى أمل، حتى لا يصل القلق إلى قلوب من يحب.
ولعل أشد اللحظات وجعًا ليست حين يخلو الجيب، بل حين يقترب طفلٌ من والده بعفويةٍ لا تعرف تعقيدات الحياة، طالبًا مصروفًا يومياً مثل أقرانه من الأطفال الآخرين، أو لعبةً متواضعة. طلباتٌ صغيرة في ميزان الطفولة، لكنها قد تكون في ميزان الأب أثقل من الجبال.
عندها يصمت الأب… لا لأنه لا يريد العطاء، بل لأنه لا يملك ما يعطيه. يؤجل الوعد، ويصطنع ابتسامةً دافئة، بينما يخفي خلفها غصةً تكاد تخنقه. يربت على كتف طفله بحنان، وفي داخله ألف اعتذارٍ لم يستطع أن ينطق به.
الأب لا يرهقه أن يقتصد في طعامه، ولا أن يؤجل أحلامه، ولا أن يحرم نفسه من أبسط متع الحياة، فقد اعتاد أن يجعل أسرته أولويته. لكن الذي يكسر روحه حقًا هو أن يرى أمنيةً صغيرة تلمع في عيني طفله، ثم يقف عاجزًا عن تحقيقها. هناك لا ينكسر الجيب… بل ينكسر القلب.
ومع ذلك، يواصل الأب المسير. يخرج كل صباح باحثًا عن رزقٍ كريم، ويعود كل مساء حاملًا أملًا جديدًا، وإن كانت يداه فارغتين. فهو يعلم أن الأبوة ليست فيما يملكه الإنسان، بل فيما يمنحه من حبٍ وأمانٍ وصبرٍ وتضحية.
إن المجتمعات لا تُقاس بقوة اقتصادها وحده، بل بقدرتها على حماية الأسر من الانكسار، وصون كرامة الإنسان، وتوفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة. فالطفل الذي يحلم بلعبة، والأب الذي يحلم بتحقيق ذلك الحلم، كلاهما يستحقان أن يعيشا بعيدًا عن قسوة الحاجة ومرارة العجز.
وفي النهاية…
لا تحكم على الناس بما يظهر لك من ملامحهم، فكم من وجهٍ يبتسم احترامًا للحياة، وقلبه يئن من شدة الألم. وكم من أبٍ ينام وهو يحاسب نفسه على أمنيةٍ صغيرة لم يستطع أن يحققها لطفله.
فما خفي أعظم… وما تخفيه القلوب من صبرٍ وأوجاع، أعظم بكثير مما تراه العيون.
نسأل الله أن يفرّج همّ كل مهموم، وأن يرزق كل أبٍ من فضله، وأن يحفظ للأبناء براءة أحلامهم، وللآباء كرامتهم، وأن يجعل بعد كل ضيقٍ فرجًا، وبعد كل عسرٍ يسرًا.






