اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الوداع الحزين .. لمربي الأجيال الرزين .. أبوأديب الأمين !!

الوداع الحزين .. لمربي الأجيال الرزين .. أبوأديب الأمين !!

بقلم / عبدالله صالح عباد
السبت 25 يوليو 2026

قبل عدة أيام ودعنا شخصيتين لها وزنها في البلاد الشخصية الأولى الشيخ المبارك علي بن سالم بكير . والشخصية الثانية المربي الفاضل الأستاذ محمد عبدالله بارجاء رحمهم الله تعالى . فالحزن خيّم على مدينة تريم خاصة بل وعلى اليمن عامة . والحزن كذلك خيّم على مدينة سيئون والوادي لما لهما من أثر كبير . فقد أفردنا مقالا خاصا عن الشيخ علي سالم بكير . واليوم حديثي سيكون عن المربي الفاضل القدير الأستاذ محمد عبدالله بارجاء أبوأديب . كيف يمكن أن يصف قلمي شخصية هذا الرجل بل تعجز الألسن والأقلام عن الوصف مهما كتبت فالكل يشهد له خاصة طلبة الثانوية الذين ترعرعوا في حضن هذه الشخصية وقد شكل ثنائيا متميزا مع الأستاذ الراحل محمد حسين الكثيري رحمة الله عليهم ، حيث كانت أيام الدراسة مع هذا الثنائي ليس تعليما فقط بل كانت التربية أولا قبل التعليم فقد غرسوا القيم والمبادئ بين طلاب الثانوية وكانت لهم هيبة رهيبة واحترام قلّ أن تجد له مثيل اليوم ، فمنذ إعلان دق جرس الطابور الصباحي يتوافد الطلاب إلى ساحة المدرسة فيبرز الأستاذ محمد حسين بفراسته عندما يتفقد الطلاب بل ويمتد بصره إلى النظر أمام الشارع العام المطل ناحية جولة الشافعي والذي كان سابقا صحراء لا يوجد عمارات فإذا به يقول إن هذا الطالب القادم فلان وقد تأخر عن الطابور وعذره كذا وكذا فيأتي ذلك الطالب مطأطئ رأسه ويكون عذره ما أخبر به الأستاذ محمد . وله موقف ذكره لنا في إحدى لقاءات زملاء الدراسة قال على ما أذكر أن طالبا قد آذيته كثيرا لم يكن إلا لمصلحته وتربيته قبل تعليمه ، وبعد فراق السنوات الكثيرة سافرت إلى السعودية فبينما كنت أمشي بين المحلات لفت نظري ذلك الطالب فقلت يا له من موقف سوف ينتقم مني فناداني يا أستاذ محمد وسلم علي ورحب بي كثيرا ثم ناولني هدية ساعة ثمينة وكان يعمل في محل للساعات ولم أكن أتوقع ذلك لأن هذا الطالب ومثله الكثير يعتبرون كل ما مضى أيام الدراسة إنها التربية قبل التعليم . أعود لأستاذي أبو أديب هذا الرجل المهيب ذو شخصية وهيبة بين طلابه لكنه يمتلك قلبا كبيرا مشفقا حنونا ودودا لا تراه إلا مبتسما . لقد تعودت لقاءات زملاء الدراسة منذ السبعينات والثمانينات تجمتع سنويا ومن ضمنها زملاء دفعتنا لعام 84 / 85 نجتمع في الأول من مايو كل عام ولا يكتمل اللقاء ولا يحلو إلا بوجود أبوأديب ، فمنذ خمسة وعشرين عاما واللقاءات مستمرة ولا يتخلف عنها بوأديب إلا لظروفه ولكنه خلال اللقاءات الأخيرة لم يحضر بسبب حالته الصحية ولكن في لقاءنا الأخير العام الماضي كان حاضرا بصوت ابنه الدكتور أديب عبر الاتصال فله كل الشكر والتقدير . وكان في كل مرة يقول اعذروني ولكنه رغم ذلك يحضر وهو ما يجسد حبه وشعوره لأولاده الزملاء هو كذلك يسميهم في كل كلمة يلقيها ويمازح الجميع وخاصة من كان لهم بصمة في تشويش جو الدراسة ويشير إلى ما كان يقوم به من إجراءات تجاههم بخفة كلماته وتعبيراته الجميلة التي تعتبر كالبلسم البارد على قلوب الزملاء . وكل زملاء الدفع يأبون إلا أن يكون الأستاذ محمد حاضرا بينهم في كل اللقاءات لمحبتهم له . وكان حريصا على أن يكون شأن الثانوية عاليا في كل المجالات التنافسية ، وأذكر كلماته الرياضية عندما نخوض أي مباراة في كرة القدم وخاصة أمام ثانوية تريم ويقول لي : يا عبدالله انتبه نريد الفوز فكنت مهاجم الفريق وكان التنافس مع ثانوية تريم قوي مصحوب بأحداث شغب عندما تقام المباراة في تريم . وكان في زمن الدراسة مبنى خاص للداخلية للطلبة من خارج مدينة سيئون وكان يتفقد أحوال الطلبة ويكون قريب منهم . إنه بمثابة الأب لهم وللجميع . وهذا موقف يُحسب له ليؤكد مدى حرصه على التحصيل العلمي للطلبة ، أحد الطلبة من خارج مدينة سيئون قرر أن لا يكمل الدراسة ولا يدخل الإختبار النهائي فذهب الأستاذ محمد على دراجته يقطع المسافات متوجها إلى منزل ذلك الطالب وأقنعه بمواصلة الدراسة ودخول الاختبار فاقتنع الطالب وواصل دراسته ، فأي حرص هذا؟ وأي مدير هذا؟ وأي مربي هذا؟ اذكر ما شئت من عبارات الثناء فلن تفيه حقه . وكذلك من مواقفه عند إقامة اللقاءات وشكوى لبعض الأخوة من أماكن بعيدة لم يحضروا فقال : اذهبوا أنتم إليهم فتم ذلك .
فلم يقتصر دوره في المدرسة فقط بل وخارجها وعُرف بحكمته وخلقه ونصحه وابتسامته الهادئة وإصلاحه بين الناس .
لا أريد أن أطيل فمهما كتبت وسطرت من كلمات لن أوفيه حقه . أعجبتي عبارة لأحد الإخوة كتب منشورا عن الثنائي كما ذكرنا في بداية المقال قائلا : ( يرحل بعض الناس ، فتغيب أجسادهم لكن تبقى آثارهم حية في العقول والقلوب ، لم يكونوا مجرد أشخاص ، ” بل كانوا مدارس تمشي على الأرض ” ) شكرا لكاتب المنشور .
وداعا أستاذنا محمد يا من ربيت فأحسنت ، وعلمت فأتقنت ، رحلت بجسدك وبقيت فينا وعاءََ وخلقاً وأثراً لا يموت . الموت يوجع لأنه يأخذ الجسد لكنه لا يأخذ الأثر . نسأل الله أن يغفر له ويرحمه ويسكنه فسيح جناته وأن يلهم أهله وذويه وطلابه الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون .
إنه الوداع الحزين لمربي الأجيال الرزين أبو أديب الأمين .

إغلاق