اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

مدرسة حضرموت : تأصيل الوسطية وبناء السلم المجتمعي..

مدرسة حضرموت : تأصيل الوسطية وبناء السلم المجتمعي..

​بقلم | د. أبوبكر العيدروس.
السبت 25 يوليو 2026

​لم تكن حضرموت عبر تاريخها الممتد مجرد جغرافيا تضم المدن والوديان، بل كانت – وستبقى – مدرسةً فكرية وإنسانية قائمة الذات، شيّدت إرثها الحضاري على دعائم متينة من التسامح، والحوار الرصين، والاعتدال الفقهي والسلوكي. لقد قدّمت هذه الأرض للعالم الإسلامي والإنساني أنموذجاً فريداً في كيف يكون الدين رحمةً مهداة، وسلوكاً تهذيبياً، وبناءً عمرانياً يصون المجتمع ويحميه من آفات العنف والتطرف.
إن الحديث عن مدرسة حضرموت ليس استدعاءً لفضائل الماضي على سبيل التفاخر، بل هو تأصيلٌ لضرورة حتمية نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى، لإعادة بناء الوعي، وصيانة النسيج الاجتماعي، وتحصين الأجيال من موجات الغلو والتعصب التي تحاول اغتيال السلم الأهلي والهوية الفكرية المتزنة لهذه المحافظة.
​لقد تأسست مدرسة حضرموت الوسطية المتمثلة في عقيدة أهل السنة والجماعة، ومدارس التصوف السني الواعي، والتعليم الفقهي المعتدل، على مبادئ صارمة أغلقت كل أبواب الفتنة، وأرست دعائم ثقافة التعايش والتلاحم. فقد جعلت هذه المدرسة من أولوية دعواتها إصلاح النفوس، وتزكية الأخلاق، وغرس المحبة، معتبرةً أن الدعوة إلى الله إنما تقوم على الحكمة والموعظة الحسنة، لا على الشدة والمفاصلة والتكفير. ولما عرفت حضرموت الاختلاف الفقهي والاجتهادي، أدّت دوراً تاريخياً في تعليمه وضبطه ضمن حدوده العلمية والأخلاقية، فلم يُعهد في منابرها القذف، ولا التبديع، ولا إخراج المخالف من دائرة الإسلام. ومن هنا لم تنتشر هذه المدرسة بالسيف أو بالفرض القسري، بل وصلت إلى أقصى شرق آسيا وأفريقيا عبر أخلاق التجار والعلماء، ممن قدموا الكلمة الطيبة، والنزاهة، والوفاء بالعهود.
​إن ثقافة التسامح والحوار ليست خياراً ثانوياً أو طارئاً في حضرموت، بل هي الشفرة الجينية للوجود الحضرمي، والتي استطاعت أن تحفظ للمجتمع استقراره الممتد رغم كل التحولات والاضطرابات التي شهدتها المنطقة. إن من أرسى دعائم هذا المنهج أدرك مبكراً أن المجتمعات تتهاوى حين تُدار بالتحريض والكراهية، وتبنى حين تُدار بالتآلف والتكامل، فكان العفو، والتغاضي، وجبر الخواطر، والاحتراز لحرمة الدماء والأعراض، هي القوانين الحاكمة والناظمة للمجتمع الحضرمي. ولذلك، فإن أي خطاب يحاول إحلال ثقافة “التبديع والتشريك” بدلاً من ثقافة “التفهم والتسامح”، إنما يستهدف مباشرة تفكيك هذا السياج الآمن الذي حَمى حضرموت لقرون من الاقتتال الداخلي والحروب المذهبية.
​إن حماية المنظومة الفكرية والأخلاقية لحضرموت تتطلب اليوم عملاً مكثفاً يعيد لمدرسة حضرموت دورها الريادي في صناعة السلام. وتقع المسؤولية هنا على المؤسسات العلمية والأوقاف في إعادة توجيه الخطاب الديني نحو محاوره الأساسية المتمثلة في بناء الإنسان، وحفظ المجتمع، وتعزيز قيمة العمل، ونبذ خطاب الشحناء والغلو. كما يستدعي ذلك غرس ثقافة الحوار والمواطنة في أوساط الشباب، وتدريب الأجيال الجديدة على التفكير النقدي الواعي الذي يفند خطابات التعصب ويفرغها من محتواها الصدامي، إلى جانب تحقيق التكامل المؤسسي والمجتمعي لفرض سيادة القانون وتجريم كل أشكال التحريض المذهبي والطائفي.
​ستبقى حضرموت، بوعي أبنائها وحكمة علمائها ورصانة موروثها، عصيةً على مشاريع التفتيت والتعصب. إن الرهان الحقيقي اليوم يكمن في التمسك بالنهج النبوي الأبوي الوسطي الذي وسع الجميع، وفي تجديد أدواته ليخاطب لغة العصر دون أن يفقد قطرة واحدة من قيم التسامح والصفاء التي شكلت هوية الحضارم ورسالتهم الخالدة للدنيا؛ فالإنسان لا يبنى إلا بالرحمة، والفرقة لا تُعالج إلا بجمع الكلمة، والسلام هو قدر هذه الأرض ورسالتها الخالدة.

إغلاق