اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

ارتهان القرار وتزييف الشعارات*كيف حوّلت مليشيا الحوثي الملف الإنساني إلى أداة لخدمة أجندات خارجية؟

ارتهان القرار وتزييف الشعارات*كيف حوّلت مليشيا الحوثي الملف الإنساني إلى أداة لخدمة أجندات خارجية؟

تاىبة_اليوم/ كتابات وآراء
كتب / أ. فؤاد سالم باربود
22يوليو2026م

في الحروب الطويلة تتساقط الشعارات تباعًا أمام اختبار الواقع، وتنكشف حقيقة المشاريع من خلال نتائجها لا من خلال ما ترفعه من عناوين براقة. وهذا ما حدث مع مليشيا الحوثي التي ظلت لسنوات تسوق نفسها باعتبارها المدافع عن حقوق اليمنيين والحريصة على معاناتهم الإنسانية، بينما كشفت ممارساتها أن المواطن اليمني لم يكن سوى وقودٍ لمشروع سياسي وعسكري يتجاوز حدود الوطن ومصالح أبنائه.

لقد اتخذت المليشيا من الملف الإنساني، وفي مقدمته قضية مطار صنعاء والمنافذ المدنية، وسيلةً للحشد والتعبئة وتبرير استمرار الصراع. غير أن التطورات الأخيرة أظهرت بوضوح أن تلك القضايا لم تكن بالنسبة لها أهدافًا تسعى إلى حلها، بل أوراق ضغط تستخدمها متى شاءت وتتخلى عنها متى تعارضت مع حساباتها السياسية.

فقد أثبتت المبادرات الإنسانية التي دعمتها الحكومة اليمنية والأطراف الإقليمية والدولية إمكانية معالجة كثير من القضايا المرتبطة بالسفر والتنقل وتخفيف معاناة المرضى والمواطنين، من خلال تشغيل الرحلات المدنية والإنسانية عبر مطار صنعاء إلى عدد من الوجهات الخارجية. وكان من المفترض أن تمثل هذه الخطوات فرصة لتعزيز الثقة والبناء عليها نحو مزيد من التخفيف عن اليمنيين، إلا أن المليشيا لم تتعامل معها بهذا المنطق، لأنها تدرك أن نجاح تلك المبادرات يسقط جزءًا كبيرًا من الرواية التي بنت عليها خطابها السياسي والإعلامي لسنوات.

وفي الوقت الذي ترفع فيه الجماعة شعارات الدفاع عن المنشآت المدنية، جاءت ممارساتها لتضع تلك المنشآت نفسها في دائرة الخطر. فالتصعيد العسكري خارج الإطار الوطني، وتوسيع نطاق المواجهات إلى الممرات البحرية والمصالح الإقليمية والدولية، أدى إلى استدعاء تداعيات خطيرة انعكست على اليمن ومقدراته وبناه التحتية. ولم يكن المواطن اليمني هو المستفيد من هذه المغامرات، بل كان أول من دفع ثمنها اقتصاديًا وإنسانيًا وخدميًا.

وعندما أعلنت المليشيا انخراطها في عمليات البحر الأحمر تحت شعار “نصرة غزة”، حاولت إضفاء بُعد أخلاقي وإنساني على تحركاتها العسكرية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا جنى اليمنيون أو الفلسطينيون من هذا التصعيد؟ وهل أسهمت تلك العمليات في تخفيف معاناة سكان غزة، أم أنها أدت إلى توسيع دائرة التوتر وإقحام اليمن في صراعات إقليمية لا تخدم مصالحه الوطنية؟

إن المتابع لمسار الأحداث يلاحظ أن البوصلة الحوثية لم تعد تتجه نحو معالجة قضايا اليمنيين أو تحسين أوضاعهم المعيشية، بل أصبحت أكثر ارتباطًا بأجندات إقليمية وحسابات خارجية. وهذا ما يفسر الانتقال السريع من الحديث عن المطالب الإنسانية إلى الانخراط في معارك تتجاوز حدود اليمن وتضع مصالح شعبه واستقراره في مهب الريح.

لقد دفع اليمنيون خلال السنوات الماضية أثمانًا باهظة نتيجة استمرار الحرب وتعطيل مؤسسات الدولة وتراجع الخدمات وفرص التنمية. واليوم بات من الواضح أن استمرار توظيف القضايا الإنسانية لأغراض سياسية لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد المعاناة وتعقيد فرص الحل.

إن الطريق الحقيقي لإنهاء الأزمة لا يكمن في استثمار معاناة الناس أو تحويلها إلى أدوات للمساومة السياسية، بل في استعادة الدولة ومؤسساتها، وترسيخ القرار الوطني المستقل، وتغليب مصالح اليمنيين على حسابات المحاور الإقليمية. فالشعوب لا تُقاس بالشعارات التي تُرفع باسمها، وإنما بالنتائج التي تنعكس على حياتها وأمنها ومستقبلها.

ولعل أبرز دروس المرحلة أن اليمنيين أصبحوا أكثر قدرة على التمييز بين من يعمل من أجلهم ومن يتاجر بقضاياهم، وبين من يسعى لبناء الدولة ومن يوظف معاناتهم لخدمة مشاريع لا تمت إلى تطلعاتهم الوطنية بصلة.

*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*

إغلاق