معركة الخدمات… الجبهة التي لا يجوز أن تُترك وحدها
بقلم / أ. غازي مرعي بن علي جابر
الثلاثاء 21 يوليو 2026
في كلمته اليوم، دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي أبناء الشعب اليمني إلى الالتفاف حول القوات المسلحة ومساندتها في مواجهة مليشيات الحوثي، باعتبارها معركة وطنية تتطلب وحدة الصف وتكاتف الجميع.
لا خلاف على أهمية مواجهة التهديدات الأمنية، ولا أحد ينكر أن استعادة الدولة وإنهاء الحرب هدف وطني يسعى إليه كل يمني يتطلع إلى مستقبل آمن ومستقر.
*لكن، وفي المقابل، فإن من حق المواطن أيضًا أن يسأل: أين موقع معركة الخدمات من أولويات الدولة؟ وأين معركة إنقاذ حياة الناس من الانهيار المعيشي؟*
فالوطن لا يعيش على الشعارات وحدها، ولا يستطيع المواطن أن يواصل الصمود إذا كان يواجه كل يوم معركة جديدة داخل منزله، معركة اسمها الكهرباء، ومعركة أخرى اسمها الراتب، وثالثة اسمها الغلاء، ورابعة اسمها تراجع الخدمات الأساسية.
في وادي حضرموت، تحولت أزمة الكهرباء إلى عنوان دائم لمعاناة الناس. لم تعد الانقطاعات استثناءً، بل أصبحت هي القاعدة. ثلاث ساعات تشغيل، وست ساعات انقطاع، في درجات حرارة مرتفعة، بينما يقضي الأطفال والمرضى وكبار السن ساعات طويلة في الحر الخانق. لم تعد هذه مجرد أزمة فنية، بل أصبحت قضية إنسانية تمس كرامة الإنسان وحقه في حياة كريمة.
والمؤلم أن هذه الأزمة ليست جديدة، بل تتكرر كل صيف، ومع كل موسم ترتفع سقوف الوعود، وتعقد الاجتماعات، وتصدر التصريحات، ثم يعود المواطن إلى النقطة نفسها، ينتظر عودة التيار الكهربائي كما لو كان ينتظر حدثًا استثنائيًا، وليس خدمة يدفع ثمنها ويستحقها.
وفي الجانب الآخر، يقف الموظف المدني نموذجًا لمعاناة لا تقل قسوة. يؤدي عمله، ويلتزم بواجبه، ثم ينتظر راتبه الذي يتأخر، وعندما يصل يكتشف أنه لم يعد قادرًا على تغطية أبسط احتياجات أسرته بسبب تراجع قيمته أمام الارتفاع المستمر في الأسعار. فأي استقرار يمكن الحديث عنه، والموظف يفكر كل يوم كيف يوفر الغذاء والدواء ورسوم الدراسة ومتطلبات الحياة؟
إن بناء الجبهة الداخلية لا يتحقق بالخطابات وحدها، وإنما يبدأ من بناء الثقة بين المواطن والدولة. والثقة لا تُصنع بالوعود، بل بالأفعال. المواطن الذي يشعر أن دولته توفر له الكهرباء، وتحافظ على راتبه، وتحسن الخدمات، سيكون أكثر استعدادًا لتحمل المسؤولية والوقوف إلى جانب وطنه في كل الظروف.
إن قوة الدولة لا تُقاس فقط بعدد الجنود والسلاح، وإنما تُقاس أيضًا بقدرتها على إدارة شؤون الناس، وحماية مصالحهم، وتوفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة لهم. فالدولة التي تعجز عن توفير الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، تترك فراغًا يملؤه الإحباط، ويضعف ثقة المواطنين بمؤسساتها.
ليس المطلوب أن تتوقف معركة مواجهة الحوثيين، ولكن المطلوب ألا تكون هذه المعركة سببًا في نسيان معركة أخرى لا تقل أهمية، وهي معركة تحسين حياة المواطنين. فلا يجوز أن يُطلب من المواطن الصبر إلى ما لا نهاية، بينما تتراكم الأزمات عامًا بعد آخر دون حلول جذرية.
إن أبناء وادي حضرموت، كما غيرهم من أبناء اليمن، لا يطالبون بالمستحيل، ولا يبحثون عن رفاهية، بل يطالبون بحقوقهم الطبيعية: كهرباء مستقرة، ورواتب تُصرف في موعدها، وخدمات تليق بكرامة الإنسان، وإدارة تتحمل مسؤوليتها أمام الناس.
إن الانتصار الحقيقي لا يكتمل بتحقيق المكاسب العسكرية وحدها، بل يكتمل عندما يشعر المواطن بأن دولته موجودة في حياته اليومية، تخفف معاناته، وتحمي حقوقه، وتستجيب لمطالبه المشروعة.
فإذا كانت الدعوة اليوم هي إلى الالتفاف حول القوات المسلحة، فإن من الواجب أيضًا الالتفاف حول المواطن، والاستماع إلى صوته، والاستجابة لمعاناته. لأن المواطن هو أساس الدولة، والجبهة الداخلية هي السند الحقيقي لأي معركة وطنية.
إن معركة الخدمات ليست معركة هامشية، بل هي معركة الكرامة، ومعركة الثقة، ومعركة بقاء الدولة قريبة من مواطنيها. وكل تأخير في حسمها هو تأخير في تعزيز صمود المجتمع، وإضعاف للجبهة الداخلية التي تُعد الركيزة الأساسية لأي انتصار.






