الوطن الذي يأكل أطفاله: حين تُشيد القصور من دماء الجياع في بيارات الصرف الصحي
بقلم | صادق العربي
لم تعد عبارة مات في حادث أليم تصف ما يمر به أطفال اليمن فالموت هنا اتخذ أشكالاً أكثر قسوة وبطشاً حيث تحولت طفولة الملايين من مرحلة الحلم واللعب إلى “رحلة بقاء” محفوفة بالمخاطر تنتهي في أغلب الأحيان بفواجع لا تستوعبها العقول.
قصة الطفل الذي سقط اليوم في “بيارة” صرف صحي متهالكة في صنعاء.. بينما كان يجمع العلب الفارغة ليقتات منها، ليست مجرد حادثة عادية بل هي وثيقة إدانة صارخة لواقع انحدر إلى أدنى مستويات الإنسانية.
رحل الطفل بصمت، ولم يتبقَ من أثره سوى “شوال” فارغ وفردة حذاء، لتنتهي رحلته التي بدأها بحثاً عن كرامة العيش، في غياهب حفرة لا تليق إلا بتجاهل المسؤولين.
إن الفاجعة التي نعيشها اليوم في اليمن تتجاوز حدود الألم الشخصي لعائلة مكلومة، لتطرح تساؤلاً وجودياً: أي وطن هذا الذي يُحرم فيه الطفل من أبسط حقوقه في الأمان، والتعليم، والبيئة الصحية؟
المشهد يتكرر بمرارة قبل عامين، سحقت حاوية قمامة في عدن جسد طفلة صغيرة كانت تبحث عن بقايا طعام، واليوم يُبتلع طفل آخر في بالوعة صرف صحي.
وفي الوقت الذي تقتات فيه براءة الأطفال من القمامة، وتنهش الحروب والحصارات أجسادهم الهزيلة، تقفز إلى الواجهة مفارقة مذهلة نخب ونافذون يراكمون الثروات، يشيّدون القصور في الخارج، ويؤمّنون لأبنائهم أفضل فرص التعليم والعيش، بينما يتركون بقية الشعب يواجه الموت البطيء جوعاً وقهراً.
يُحاضر هؤلاء النافذون في “الوطنية” والولاء، بينما يضطر طفل في عمر الزهور إلى تعريض حياته للخطر في بيئة متهالكة، وسط غياب تام لأدنى مقومات الحياة: لا ماء، لا كهرباء، لا أمان، ولا تعليم. إن الوطنية الحقيقية لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرة الدولة—أو من يدعون تمثيلها—على توفير الحد الأدنى من كرامة العيش للإنسان.
إن موت هذا الطفل في بالوعة صرف صحي هو “جرس إنذار” أخير، يكشف للعالم حجم التردي الذي وصلت إليه البلاد. هو ليس مجرد قضاء وقدر، بل هو نتيجة طبيعية لتغييب العدالة الاجتماعية، وتفشي الفساد الذي جعل من أرواح البسطاء وقوداً لتضخم ثروات القلة المتنفذة.
رحم الله الطفل، وألهم ذويه الصبر. لكن الرحمة وحدها لا تكفي؛ إذ تبقى دماء هؤلاء الأطفال في رقاب كل من تسبب في تحويل هذا الوطن إلى غابة من القهر، حيث يُقتل الطفل مرتين: مرةً حين يُحرم من طفولته، ومرةً حين يُترك لمصيره الأسود في برميل قمامة أو بالوعة صرف صحي، بينما يتفرج الجميع.






