اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حين تغيّرت ملامح صديقي… سؤالٌ واحد أشعل حديثًا لم أتوقعه.

حين تغيّرت ملامح صديقي… سؤالٌ واحد أشعل حديثًا لم أتوقعه.

بقلم: محمد بامصلح
الاربعاء 30 سبتمبر 2026

كان لي صديق عزيز من إحدى المحافظات الشمالية، تجمعنا علاقة طيبة، وكنا نلتقي بين فترة وأخرى حسب الظروف ووقت الفراغ.
غالبًا ما كانت أحاديثنا عادية؛ عن حياتنا، وأحوالنا، والعمل، وما يدور حولنا… حتى قادنا الحديث ذات مساء إلى الاستثمار والتجارة.
قال لي صديقي إنه يفكر في استثمار مبلغ كبير، ثم سألني:
— برأيك، أيهما أفضل للاستثمار وأكثر أمانًا: صنعاء أم عدن؟

أجبته بعفوية:
— انتظر حتى تتحرر صنعاء من الحوثيين، وبعدها لكل حادث حديث.
وفجأة… تغيّر كل شيء.
تبدلت ملامح وجهه التي اعتدت أن أراها مبتسمة ومطمئنة، وتحولت إلى ملامح لم أفهمها في البداية.
ثم قال بصوت مرتفع، وكأن الكلمات خرجت من قلبه قبل لسانه:

— كيف؟! كيف؟!
كررت عليه ما قلت، فإذا به يجيب:
— إنها حرب عبثية.
توقفت للحظة، ثم قلت:
— كيف تكون عبثية، والشرعية تقاتل في الجبهات، ويسقط الشهداء تلو الشهداء من أجل هدف نراه ساميًا: استعادة صنعاء وعودة الجمهورية؟

نظر إليّ وقال:
— وأي جبهات تقصد؟
قلت:
— الجوف، وباب المندب، وتعز…

فرد سريعًا:
— وهل تعلم أن جزءًا كبيرًا من المقاتلين في بعض هذه الجبهات من أبناء الجنوب؟ في الجوف مقاتلون من حضرموت، وفي باب المندب من الصبيحة ويافع، وغيرهم من أبناء الجنوب.

ثم تابع:
— إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا نرى جبهة حقيقية من داخل صنعاء أو من إحدى المحافظات الشمالية؟
وهنا قال عبارة ظلت عالقة في ذهني:
— ألا ترى أن المشهد، بالنسبة للبعض، أصبح يبدو وكأنه حرب شمالية جنوبية تُخاض تحت مظلة الشرعية وبدعم من التحالف العربي؟
ثم استدرك:

— ومع ذلك، فإن الثمن في النهاية يدفعه اليمنيون من الطرفين؛ شهداء وجرحى من أبناء اليمن، مهما اختلفت مناطقهم وانتماءاتهم.
سكتُّ قليلًا، ثم عاد ليطرح سؤالًا آخر:
— أين أبناء المحافظات الشمالية من التعبئة العامة والنفير الوطني الذي أُعلن عنه مؤخرًا؟

لم أجد إجابة سريعة.
ثم قال:

— في المحافظات الشمالية قبائل ومجتمعات لديها من السلاح ما يكفي لخوض مواجهات كبيرة، بل إنك تجد في بعض القبائل أعدادًا كبيرة من الأسلحة الحديثة؛ ويقال إن أقل قبيلة قد تمتلك مئات القطع. فإذا كان الرفض للحوثيين موجودًا، فلماذا لم نرَ حتى الآن جبهة واسعة تتشكل من الداخل؟

لم يكن السؤال سهلًا.
فالأرقام والانطباعات حول حجم السلاح والمقاتلين تختلف من منطقة إلى أخرى، لكن السؤال الذي طرحه صديقي بقي حاضرًا:
لماذا لا تتحول حالة الرفض إلى فعل عسكري واسع على الأرض؟

ثم أضاف:
— إذا كان هناك رفض واسع للحوثيين، فلماذا لا يتحول هذا الرفض إلى مقاومة واسعة على الأرض؟

وأضاف:
— ربما نحن أمام حرب يدفع ثمنها اليمنيون من الطرفين، بينما تختلف مشاركة كل منطقة فيها.
ثم وصل حديثنا إلى السؤال الأصعب:
— إذن ما الحل؟

قال دون تردد:
— نعود إلى ما قبل عام 1990… الشمال دولة والجنوب دولة.

استغربت بشدة وقلت:

— أنت أول شخص من الشمال أسمعه يقول إن فك الارتباط قد يكون حلًا!
ابتسم ابتسامة حزينة وقال:
— نعم… قد يكون حلًا، لكنه موجع لنا كيمنيين.
وبعد دقائق، حضر العشاء، وانتهى لقاؤنا كما تنتهي معظم اللقاءات… كل واحد منا اتجه إلى وجهته.
لكن حديث صديقي لم ينتهِ بالنسبة لي.
وأنا في طريقي، بدأت الأسئلة تتزاحم في رأسي:
لماذا يتركز جزء كبير من المقاتلين في بعض جبهات الشرعية من أبناء الجنوب؟
لماذا لم تتحول حالة الرفض للحوثيين في المحافظات الشمالية إلى جبهات واسعة على الأرض؟

ولماذا لم تلقَ دعوات التعبئة والنفير الوطني الأخيرة الاستجابة التي يتوقعها البعض؟

والسؤال الأصعب:

هل فك الارتباط يمكن أن يكون فعلًا طريقًا لحقن الدماء، أم أنه سيخلق جراحًا وصراعات جديدة؟

لا أعرف إن كان صديقي محقًا أم مخطئًا…
لكنني أعرف شيئًا واحدًا:
ذلك اللقاء لم يكن مجرد حديث عابر عن الاستثمار والتجارة…
لقد بدأ بسؤال بسيط:
صنعاء أم عدن؟

وانتهى بسؤال أكبر بكثير:

إلى أين يمضي اليمن؟

إغلاق