من التفاهمات إلى سياسة الضغط … هل أعادت السعودية تشكيل ميزان التفاوض مع الحوثي؟
بقلم/ عمار العامري
الجمعة 17 يوليو 2026
“صحفي ومحلل سياسي”
تمر العلاقات السياسية بين الخصوم بمراحل متعاقبة، تبدأ بقنوات التفاهم، ثم تنتقل إلى مرحلة إعادة ترتيب موازين القوة عندما تتغير الظروف, وخلال الأسابيع الأخيرة، برزت سلسلة من الأحداث يصعب قراءتها بمعزل عن بعضها؛ تصعيد حوثي في الخطاب تجاه السعودية، مطالبات متكررة بالإسراع في تنفيذ التفاهمات، حراك قبلي واسع على خلفية قضية ميرا، بيان سعودي حمل رسائل واضحة حول سيادة اليمن، ثم دعوة أممية إلى خفض التصعيد والعودة إلى التسوية السياسية, وعند جمع هذه المؤشرات في إطار واحد، يبرز سؤال محوري يستحق النقاش: هل انتقلت الرياض من إدارة التفاهمات إلى مرحلة سياسية الضغط القسري بهدف إعادة تشكيل ميزان التفاوض؟
جوهر الإجابة على هذا السؤال ينطلق من أن أي تفاوض ناجح يرتبط بحجم الأوراق التي يحملها كل طرف, وعندما يشعر أحد الأطراف بأن الطرف المقابل يسعى إلى فرض شروطه، يبدأ بالبحث عن أدوات تعيد التوازن إلى طاولة التفاوض, ومن هنا، تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى إعادة بناء ميزان القوة قبل استئناف أي مسار تفاوضي.
أولى هذه الأدوات قد تظهر في البعد القبلي, فمنذ صعود الحوثيين، مثلت القبائل أحد أهم مصادر القوة الاجتماعية والعسكرية للجماعة بل ومركز ثقلها الاستراتيجي، وفي مقدمتها قبائل بكيل التي وفرت عمقًا بشريًا ونفوذًا ميدانيًا, وأي حراك يؤثر في هذه الحاضنة يرفع تكلفة استمرار الجماعة في سياسة التصعيد، حتى لو بقي الحراك ضمن إطاره القبلي, ومن هذا المنطلق، تكتسب قضية ميرا أهمية تتجاوز بعدها المحلي، لأنها تفتح باب التساؤل حول دلالات توقيتها وحجم الرسائل التي تحملها.
ثم يأتي عامل الزمن, فقد جاء هذا الحراك في لحظة ارتفعت فيها لهجة الحوثيين تجاه السعودية، مع مطالبات بالإسراع في تنفيذ التفاهمات, وفي المقابل، ظهر الموقف السعودي أكثر تمسكًا بإعادة ترتيب الأولويات ومنع إنتهاك السيادة اليمنية، وهو ما ينسجم مع مفهوم سياسة الضغط القسري، حيث تُستخدم أوراق الضغط لتحسين الموقع التفاوضي قبل العودة إلى أي اتفاق.
ثم يبرز ملف النفط بوصفه الحلقة الأكثر حساسية في المشهد, فاستئناف تصدير النفط يمثل مصلحة اقتصادية للحكومة اليمنية، كما يمثل عنصر استقرار إقليمي, وخلال المرحلة الماضية تحول هذا الملف إلى ورقة ضغط متبادلة, ومن هنا، تبرز فرضية أن تحييد صادرات النفط عن دائرة الصراع قد يكون هدفًا رئيسيًا في أي ترتيبات سياسية مقبلة، بما يضمن استمرار تدفق الموارد السيادية بعيدًا عن الابتزاز العسكري.
وفي هذا السياق، يكتسب البيان السعودي أهمية إضافية, فالتأكيد على سيادة اليمن وحماية مؤسسات الدولة ومواردها ينسجم مع رؤية تضع الاقتصاد اليمني ضمن أولويات المرحلة، ويبعث برسالة مفادها أن أي تفاوض ينبغي أن ينطلق من حماية مؤسسات الدولة ومقدراتها، وفي مقدمتها الموارد النفطية.
أما موقف الأمم المتحدة الداعي إلى خفض التصعيد والعودة إلى تسوية سياسية مستدامة، فينسجم مع هذا المشهد من زاوية مختلفة، ففي إدارة الأزمات، كثيرًا ما تسبق التسويات مرحلة تتسابق فيها الأطراف إلى تحسين مواقعها التفاوضية، ثم تتدخل الأمم المتحدة للدفع نحو خفض التوتر وتهيئة المناخ للحوار، وبهذا المعنى، تبدو الدعوة الأممية جزءًا من مشهد سياسي يتجه نحو إعادة فتح باب التفاوض بعد مرحلة من إعادة توزيع أوراق القوة.
ومع ذلك، فإن تتابع الأحداث يفرض مراقبة المرحلة المقبلة بدقة, فخطاب زعيم جماعة الحوثي الأخير، حين قال: «المطار بالمطار، والميناء بالميناء»، حمل دلالة تتجاوز ظاهر العبارة، وكشف عن تحول في نبرة الخطاب يوحي بأن سياسة الضغط التي مارستها الرياض قد دفعت الجماعة إلى إعادة حساباتها، وأعادت شيئًا من التوازن إلى مسار التفاوض بعد مرحلة بدت فيها كفة الشروط تميل نحو طرف واحد.
وإذا كانت هذه القراءة صحيحة، فإن اليمن قد يكون مقبلًا على جولة تفاوض مختلفة عن سابقاتها؛ جولة لا تُدار فقط بين الرياض والحوثي، بل داخل شبكة أوسع من الحسابات الإقليمية والدولية التي تتداخل فيها ملفات الأمن والطاقة والنفوذ، وعند هذه النقطة، يتحول السؤال الأخير من مجرد احتمال سياسي إلى استنتاج يفرضه منطق المشهد نفسه: هل أصبحت جماعة الحوثي ورقة قابلة للمقايضة في حسابات إيران الكبرى، بحيث يُقدَّم جزء من نفوذها في اليمن ثمنًا للحفاظ على مصالح استراتيجية أوسع مع الغرب في ملفات تتجاوز الحدود اليمنية؟
طبعاً هذه الورقة تعتبر خاسرة، لأنها لا تعطي مكاسب صلبة للأطراف الأقليمية، ويبقاء المشهد مفتوح على تصعيد كبير من خلاله تصل رسالة مفادها أوضح لإيران.






