سيرة ومسيرة: الأديب والفنان محمد علي عبد السيد
تاربة ـ اليوم /كتابات واراء
بقلم: البروفيسور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والتاريخ
14 يوليو 2026م
الأديب والفنان محمد علي عبد السيد، وُلد في السادس من يونيو لعام 1977م، في رحاب مدينة الهجرين التاريخية الخالدة، دوعن، حضرموت؛ تلك الحاضرة الأثرية الضاربة بجذورها في عمق الأصالة، والتي استلهم من عبقها بواكير وعيه الجمالي والإنساني، وتأثر ببيئتها الثقافية الملهمة التي صاغت معالم شخصيته الإبداعية، ووجهت وجدانه مبكرًا نحو دروب الأدب والفن.
استهل مسيرته المعرفية متلقيًا تعليمه الأساسي في مدرسة 17 سبتمبر بالهجرين (مجمع 17 سبتمبر التعليمي حاليًا)، قبل أن ينتقل إلى صرح مدارس الشيخ سالم بن محفوظ في المرحلة الثانوية، حيث اختار بشغف التخصص في القسم الأدبي؛ وهو المسار المنهجي الذي ساهم في صقل ملكته اللغوية الباكرة، وتعميق صلته بعلوم العربية؛ آفاقها النثرية وبحورها الشعرية.
وامتدادًا لهذا الشغف المعرفي، انتسب إلى كلية التربية بجامعة حضرموت ناهلًا من علومها ومناهجها. ورغم أن ظروفًا خاصة حالت دون إتمام مسيرته الأكاديمية الرسمية فيها، إلا أن هذه التجربة تركت أثرًا جليًا في عمق تكوينه الثقافي، وأكسبته رصانة الطرح، ليمضي في حياته مطلعًا شغوفًا بالأدب العربي بنوعييه: الفصيح والعامي.
وفي محراب الكلمة، يتجلى بُعده الإبداعي الأصيل من خلال موهبته الرفيعة في كتابة الشعر؛ إذ ينسج بقلمه قصائد مفعمة بالدفء الإنساني والصور البلاغية البديعة، مستمدًا من موروثه الحضرمي العريق ومسيرته الذاتية رؤى تعبيرية تُصاغ بجزالة اللفظ ورقة المعنى، لتصافح وجدان النخبة من الأدباء والمثقفين وتلامس ذائقة العامة.
ولم يقف عطاؤه الشعري عند حدود التعبير الذاتي، بل اتسع ليمثل امتدادًا واعيًا للمدرسة الحضرمية العريقة في تجديد (الدان الحضرمي) وصياغة الألوان الغنائية التراثية، حيث نجح بقصائده في إيجاد تقارب حميم بين جزالة الفصحى وبساطة العامية، مقدمًا نموذجًا شعريًا يتسم بالعمق الفكري والوضوح البنائي الحاضن للهوية الثقافية الأصيلة في أبعادها الإنسانية الشاملة.
وتكتمل هذه اللوحة الإبداعية الشاملة بريادته الفنية في مجالي التلحين وعزف العود، حيث تترجم أنامله على الأوتار أحاسيسه الوجدانية بمهارة وتكنيك رفيع، صانعًا جملًا لحنية مبتكرة تمنح النص الشعري هويته الموسيقية الخاصة، وتبرز المزاوجة الفريدة في شخصيته بين عبقرية الكلمة وعذوبة النغم.
وهكذا، تظل مسيرة الأديب والفنان محمد علي عبد السيد (أبو علي) نموذجًا ملهمًا للمثقف العصامي والفاعل الذي لم تمنعه العوائق والظروف من حفر اسمه باقتدار في سجل الإبداع الحضرمي؛ حاملًا لواء الهجرين وتاريخها كرسالة جمالية عابرة للحدود، وشاهدًا حيًا على أن الفن الحقيقي هو ذلك الذي ينبع من طين الأرض وأصالة الجذور ليعانق فضاءات الإبداع الإنساني الواسع.






