اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

قناديل الضياء في عتمة الجبل: كيف أضاء “العم سعد” طريق الفجر لقرية بأكملها؟

قناديل الضياء في عتمة الجبل: كيف أضاء “العم سعد” طريق الفجر لقرية بأكملها؟

بقلم | محمد سعيد كلشات
الاثنين 13 يوليو 2026

في قلب المرتفعات الجبلية الشاهقة لـ “جبال حوف”، حيث تنام القرى على وساد من صخر وتستيقظ على ترانيم الضباب، عاش رجلٌ لم يمنحه الدهر حظاً وافراً من التعليم، لكنه مَلَك حكمةً تفوق الشهادات، وقلباً عُلّق بالمسجد والخدمة العامة. إنه العم سعد نجادان القميري؛ الرجل الذي لم يمنعه شقاء الجغرافيا، ولا وعورة المسالك، ولا عتمة الليالي من أن يكون منارةً تسترشد بها الأقدام والقلوب، ومدرسةً متحركة في العطاء التطوعي.
​كان العم سعد يرى في التعليم طوق النجاة الذي لم يتسنّ له ارتداؤه، فبذر في نفوس أبنائه وأحفاده حب العلم، وحرص على أن يرتووا من مناهله، كما يروي أبناؤه اليوم بفيض من الفخر والاعتزاز. غير أن الدرس الأكبر الذي لقّنه للجميع، لم يكن مسطوراً في كتاب، بل كان محفوراً على خطى طريق الفجر، ومحفوراً في جبال حوف الشامخة التي شهدت على فيض عطائه.

​هندسة الإيمان في مواجهة الظلام:
​لم يكن مشوار الصلاة بالنسبة للعم سعد نزهةً يسيرة؛ فبيته القابع في أطراف المنطقة تفصله عن المسجد مسافة يقطعها المرء فوق أرض جبلية بكر، لم تمهدها الآلات، وتملأها العوائق والصخور. وزاد الطين بلة أن الكهرباء في تلك الأنحاء تألف الانقطاع ليلاً، ليدخل الفجر في جلباب من الظلام الدامس.
​أمام ضعف بصره الشديد، وقسوة الطبيعة، لم يستسلم العم سعد للعجز. ابتكر بفطرته النقية “هندسة إنسانية” فريدة؛ إذ أخذ يجمع أكياس السكر البيضاء الفارغة، ويملؤها بالتراب والحجارة، ثم يضعها على مسافات متفاوتة ومدروسة على طول الطريق المؤدية إلى بيته الكبير.. “المسجد”.

​أكياس بيضاء.. تعكس النور والرحمة:
​حين كان يخرج العم سعد في غسق الليل حاملاً مصباحه اليدوي الصغير، كانت تلك الأكياس البيضاء تستقبل وميض الضوء الشاحب لتعكسه بوضوح، مرشدةً خطواته المتهادية. وفي الليالي المقمرة، كانت تلك الأكياس تبدو للناظر كأجرام صغيرة سقطت من السماء لتضيء عتمة الأرض.
​لم تكن تلك الأكياس علامةً ليهتدي بها العم سعد وحده، بل تحولت إلى حبل نجاة وهداية لكل جيرانه وأهل قريته. ففي مواسم الأمطار، حين تنبت الأعشاب البرية والحشائش العشوائية لتخفي معالم الطريق وتزيد من خطورته، كانت أكياس العم سعد هي البوصلة الثابتة التي تحمي المصلين وعابري السبيل من الزلل أو الضياع.

​سيرة العطاء: بين تمهيد الصخر وسقاية الأرض:
​لم يقتصر أثر العم سعد على إنارة طريق المسجد فحسب، بل كان هاجسه الأكبر هو تذليل قسوة هذه الطبيعة الجبلية لكل كائن حي. لقد حمل على عاتقه همّ تمهيد الطرقات الوعرة في جبال حوف، فلم يترك سبيلاً ضيقاً أو مسلكاً خطراً إلا وأصلحه، ليكون آمناً لمرور الناس والحيوانات على حد سواء، إيماناً منه بأن في كل كبد رطبة أجراً.
​ولأن الماء عصب الحياة في هذه المرتفعات، فقد قادته بصيرته إلى تشييد سدود المياه وتجميعها، لترتوي منها الأرض والماشية وتتحول العتمة والجفاف إلى حياة وخير عميم يتدفق بين جنبات الجبل.

​حارس المال العام ومناجم العطاء والتضحية:
​تجلت أمانة العم سعد ووطنيته العفوية حين تم تعيينه حارساً لكهرباء حوف؛ ففي الوقت الذي يبحث فيه الجميع عن المقابل، ضرب العم سعد أروع الأمثلة في النزاهة، حيث عمل في هذه المهمة لفترة من الزمن دون أي مقابل مالي، مدفوعاً بحرصه الشديد على حماية الممتلكات العامة والحفاظ على أموال الدولة والمجتمع.
​وفي ميادين الشقاء والعمل الخيري، كان العم سعد دائماً في مقدمة الصفوف. ولأنه لا يهاب الصعاب، كان يشارك الأهالي ببدنه وجهده في مناجم الحجارة لمساعدتهم في توفير متطلبات البناء. وفي إحدى ملاحمه التطوعية داخل تلك المناجم، تعرّض لحادث كاد أن يودي بحياته، لكنها لم تثنِ عزيمته، بل ظلت ندبة فخر على جسده تشهد بصدق بذله وإيثاره.

​رحيل ومخرجات أثر لا يموت:
​رحل العم سعد القميري عن هذه الدنيا، وترك وراءه قصةً أعمق من أن تختزلها السطور أو تحيط بها الكلمات؛ قصة تُدرّس في الإرادة، وحب الخير، والتكافل الاجتماعي العفوي.
​لقد غاب بجسده، لكن أثره في تلك القرية الجبلية وجبال حوف ما زال حياً؛ فكلما سار مصلٍ في عتمة الفجر دون أن تعثُر قدمه، وكلما اهتدى عابرٌ في وضح الظلام، وكلما شربت ماشية من سدٍ بناه، أو سلكت دابة طريقاً مهّده، تذكر الجميع ذلك الشيخ الوقور.
​رحم الله العم سعد، وأسكنه فسيح جناته، وجعل خطاه إلى المسجد، وعرقه في جبال حوف، ونقاء سريرته نوراً يضيء قبره كما أضاء طرقات السائرين..

إغلاق