اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

لماذا يتمسّك الجميع بالبندقية؟

لماذا يتمسّك الجميع بالبندقية؟

بقلم / بدر سالم الجابري
الثلاثاء 7 يوليو 2026

بعد أكثر من اثني عشر عامًا من الحرب، لم يعد السؤال: من انتصر؟ بل أصبح السؤال: ماذا بقي من اليمن؟

مدنٌ أنهكها الخراب، واقتصادٌ يتنفس بصعوبة، وأجيالٌ لم تعرف سوى أصوات المدافع، وأحلامٌ دفنت تحت أنقاض الصراع. أما المواطن اليمني، فقد أصبح يدفع ثمن حرب لم يكن يومًا صاحب قرارها، بل كان أول ضحاياها.

ومع ذلك، لا يزال البعض يظن أن البندقية هي الطريق إلى الحكم، وأن القوة تستطيع أن تصنع وطنًا، وأن الغلبة العسكرية يمكن أن تكتب مستقبل اليمن.

لكن التاريخ يجيب بوضوح: كل بندقية تستطيع أن تفرض صمتًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع أن تفرض قبولًا دائمًا. وكل قوة تستطيع أن تسيطر على الأرض، لكنها تعجز عن السيطرة على إرادة الشعوب.

لقد جُرّبت القوة سنوات طويلة، فماذا كانت النتيجة؟ وطن ممزق، واقتصاد منهار، ومؤسسات غائبة، وملايين المواطنين ينتظرون حياةً كريمة لم تأتِ بعد.

الحقيقة التي يهرب منها الجميع هي أن أزمة اليمن ليست أزمة سلاح، بل أزمة عدالة.

فحين تغيب العدالة، يصبح السلاح لغة السياسة. وحين تغيب الشراكة، تتحول الدولة إلى ساحة صراع. وحين يشعر أي طرف بأنه مهمّش أو محروم من حقوقه، تتآكل الثقة ويصبح السلام أكثر صعوبة.

لقد حمل الجميع السلاح، لكن أحدًا لم يحمل مشروعًا وطنيًا يتسع للجميع.

ومن هنا تبدأ الحقيقة التي لا يجوز تجاهلها: لا يمكن أن يستقر اليمن إذا بقيت الدولة تُدار بعقلية المركز الذي يحتكر القرار والثروة والسلطة. لقد أثبتت التجارب أن هذه المعادلة لم تُنتج إلا مزيدًا من الأزمات والانقسامات.

إن اليمن اليوم بحاجة إلى شجاعة سياسية، لا إلى شجاعة عسكرية.

شجاعة تعترف بأن الشمال له خصوصيته، وأن الجنوب له قضيته، وأن حضرموت لها مكانتها وتطلعاتها، وأن لكل منطقة الحق في إدارة شؤونها والمشاركة العادلة في القرار الوطني، ضمن صيغة يتوافق عليها اليمنيون، سواء كانت لامركزية واسعة الصلاحيات أو نظامًا اتحاديًا يحقق التوازن بين الوحدة والحقوق.

إن القضية ليست رسم حدود جديدة، بل رسم مستقبل جديد.

مستقبل لا يشعر فيه أحد بأنه تابع، ولا يخاف فيه أحد من هيمنة أحد، ولا تُدار فيه البلاد بمنطق المنتصر والمهزوم، بل بمنطق الشراكة والمسؤولية.

لقد أثبتت السنوات الماضية حقيقة لا يمكن إنكارها:

لا الشمال استطاع أن يحسم اليمن بالقوة، ولا الجنوب استطاع أن ينهي القضية بالبندقية، ولا حضرموت يمكن أن تقبل أن تبقى مجرد هامش في معادلة الوطن.

إذن… لماذا نكرر التجربة نفسها، ونحن نعرف نتيجتها مسبقًا؟

إن استمرار الحرب ليس بطولة، بل استنزاف. وليس صمودًا، بل نزيفٌ مستمر لوطن يستحق الحياة.

إن أعظم انتصار ليس أن يهزم اليمني أخاه اليمني، بل أن ينتصر الجميع على أسباب الانقسام، وأن يبنوا دولةً يكون القانون فيها أقوى من السلاح، والعدالة أعلى من النفوذ، والمواطنة أوسع من الولاءات الضيقة.

لقد تعب اليمن…

وتعبت الأمهات من انتظار أبنائهن.

وتعب الأطفال من انتظار مدارس آمنة.

وتعب الشباب من انتظار فرصة عمل.

وتعب الوطن من أن يكون ميدانًا لصراعات لا تنتهي.

فإلى متى؟

إلى متى نظل نبحث عن الحل في فوهة البندقية، بينما هو ينتظرنا على طاولة الحوار؟

إن اليمن لا يحتاج إلى قائد ينتصر على خصومه، بل إلى رجال دولة ينتصرون لليمن.

ولا يحتاج إلى مزيد من البنادق، بل إلى مزيد من الحكمة.

ولا يحتاج إلى خطابات الغلبة، بل إلى مشروع وطني يعيد الثقة بين أبنائه.

فالأوطان لا يحرسها الخوف… بل تحرسها العدالة.

ولا تبنيها البنادق… بل يبنيها العقل.

وعندما ينتصر العقل على السلاح، والشراكة على الهيمنة، والعدالة على الإقصاء، سيولد يمنٌ جديد، لا غالب فيه ولا مغلوب، بل شعب واحد يجمعه وطن يتسع للجميع.

إغلاق