اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

لماذا يفشل الأطباء في إدارة المستشفيات ؟

لماذا يفشل الأطباء في إدارة المستشفيات ؟

بقلم | أ. هشام محمد منيباري

تُبنى المستشفيات على مفارقة غريبة؛ فهي مؤسسات إنسانية نبيلة هدفها إنقاذ الأرواح، وفي الوقت ذاته، هي شركات معقدة تتطلب تدفقات مالية، وإدارة موارد بشرية، وسلاسل توريد، وقوانين صارمة. ولأن الطبيب هو “النجم الأول” في هذه المنظومة، جرت العادة التاريخية على ترقية الطبيب المتميز ليصبح مديراً للمستشفى.
لكن الواقع غالباً ما يصطدم بصخرة الحقائق الإدارية، حيث يتحول الطبيب البارع – في كثير من الأحيان – إلى مدير متعثر. فلماذا يفشل الأطباء في إدارة المستشفيات؟

1. *معضلة “الرداء الأبيض” مقابل “بدلة الأعمال”*


تختلف العقلية الطبية تماماً عن العقلية الإدارية:
  *الطبيب* يتلقى تدريباً صارماً يمتد لسنوات يرتكز على عقلية “الإنقاذ الفردي”؛ حيث يتركز انتباهه بالكامل على حالة مريض واحد أمامه، واتخاذ قرارات فورية وحاسمة لإنقاذ حياته دون النظر إلى الكلفة المادية في تلك اللحظة الحرجة.
*المدير* مطالب بالتركيز على الكل (المؤسسة كاملة)، وموازنة الميزانيات، وتخصيص الموارد المحدودة بين الأقسام ، هذا التباين يخلق صراعاً داخلياً حاداً؛ فالطبيب الإداري قد يرى في خفض النفقات أو تقنين الموارد “قسوة” أو تقصيراً في حق المرضى، بينما يراه المنطق المؤسسي شرطاً أساسياً لاستمرار عمل المستشفى .

2. *غياب التأهيل القيادي والإداري*


يقضي الطبيب أكثر من عقد من عمره في دراسة التشريح، والأمراض، والجراحة وغيره، لكنه لا يتلقى ساعة تدريب واحدة في :
* إدارة النزاعات بين الموظفين.
* قراءة الميزانيات العمومية وقوائم الأرباح والخسائر.
* التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات المؤسسية.
* القيادة وبناء فرق العمل .
   عندما يُلقى بالطبيب في مقعد القيادة، فإنه يدير بالاعتماد على “الاجتهاد الشخصي” أو “الحدس”، وهو أمر كارثي في مؤسسات حيوية كالمستشفيات.

3. *متلازمة “الأنا الطبية” وصعوبة التفويض*


يعتاد الأطباء – خاصة الكبار منهم – ( الاستشاريين ) على أن تكون كلمتهم هي الأولى والأخيرة في غرفة العمليات أو العيادة. هذه الثقافة الفردية تجعل من الصعب عليهم تقبل العمل الجماعي الإداري، أو تفويض الصلاحيات للآخرين. وقد يرى في طلب المساعدة الإدارية هزيمة لشخصه.
بينما المدير الناجح يعلم أنه لا يعرف كل شيء ويستعين دائما بالخبراء كلن حسب تخصصه .

4. *الانحياز للزملاء على حساب المستشفى*


الولاء المهني عند الأطباء قوي جداً. عندما يتولى طبيب إدارة مستشفى، يجد صعوبة بالغة في محاسبة زملائه “الأطباء” أو فرض عقوبات عليهم عند التقصير، مما يخلق بيئة من المحسوبية غير المقصودة، ويثير حفيظة الكوادر الأخرى كالتمريض والإداريين والفنيين الذين يشعرون بالتهميش.

5. *الصراع بين “الجودة الطبية” و”الجدوى الاقتصادية”*


المستشفى في النهاية يحتاج إلى الاستدامة المالية ليستمر. الطبيب المدير يميل دائماً لشراء أحدث الأجهزة وأغلاها، وتوفير أفضل المواد دون النظر إلى “عائد الاستثمار” (ROI). هذا الانفصال عن الواقع المالي قد يؤدي بالمستشفى إلى إفلاس حتمي أو أزمات سيولة خانقة.
*عالميا ً :*
في الدول المتقدمة، تغيرت قواعد اللعبة بشكل جذري خلال العقود الثلاثة الماضية، انتهى تماماً عصر “الطبيب الإداري بالصدفة أو الأقدمية”. المنظومات الصحية هناك تحولت إلى قطاعات فائقة التعقيد من الناحية المالية والتكنولوجية والقانونية، مما فرض واقعاً جديداً يدار بأسلوبين رئيسيين:
     * نموذج “المدير التنفيذي المحترف” (Non-Physician CEO)
هؤلاء يحملون شهادات متقدمة في إدارة المستشفيات (MHA)، أو إدارة الأعمال (MBA)، أو اقتصاديات الصحة.
     * نموذج “الطبيب القيادي المعتمد” (Physician Executive)
على الرغم من سيطرة الإداريين، أظهرت دراسات عالمية شهيرة (مثل دراسة جامعة وارويك البريطانية ومؤسسة كليفلاند كلينك) أن المستشفيات التي يقودها أطباء تحقق أحياناً نتائج أفضل في جودة الرعاية ورضا المرضى، ولكن بشرط صارم :
* ألا يكون الطبيب ممارساً عادياً تم ترقيته، بل “طبيب تنفيذي” انقطع عن الممارسة السريرية أو قللها للحد الأدنى، وتفرغ تماماً للإدارة بعد نيل شهادات قيادية عليا وتدرج في مناصب إدارية (رئيس قسم، مدير دائرة) لسنوات طويلة.
*خلاصة القول.. ما هو الحل؟*
  النجاح في إدارة المستشفيات لا يتطلب إقصاء الأطباء، بل يتطلب تغيير قواعد اللعبة. الحل يكمن في خيارين لا ثالث لهما: إما إعداد “طبيب هجين” يتم صقله بشهادات إدارية متقدمة مثل (MBA أو MHA) قبل تسليمه القيادة، أو تبني نظام “القيادة الثنائية” (Dual Leadership)؛ حيث يقود المستشفى مديران: أحدهما طبي يتولى الشؤون العلاجية والفنية ، والآخر تنفيذي محترف يتولى الشؤون المالية والإدارية.
إن إدارة المستشفى ليست تكريماً للطبيب على تميزه العلمي، بل هي وظيفة مختلفة تماماً تتطلب مهارات مختلفة؛ وفصل العاطفة الطبية عن الحزم الإداري هو الخطوة الأولى لإنقاذ المستشفيات من الفشل.

إغلاق