اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

كيف تحولت ثروات حضرموت إلى لعنة على أهلها؟

كيف تحولت ثروات حضرموت إلى لعنة على أهلها؟

بقلم /.م. اشرف حيمد قفزان
الاحد 5 يوليو 2026

منذ فجر التاريخ وحضرموت ليست مجرد بقعة على الخارطة بل هي فكرة الصمود وأيقونة العطاء، أرضٌ باركها الله بغزارة ثقافتها التي ملأت الدنيا علماً وأدباً وحصنها بطيبة أهلها الذين جابوا البحار والمحيطات ففتحوا قلوب أممٍ بأخلاقهم وتجارتهم ونشروا السلام في أقاصي الأرض دون قهرٍ أو سلاح، إنها الأرض الولّادة التي تجود بالخير من باطنها وأطرافها ومن وديانها الخصبة وتاريخها العريق الممتد من ناطحات سحاب شبام الطينية إلى حصن العزيزي الشامخ على صهوة سواحلها الذهبية الواعدة وبحيرات النفط التي تقبع تحت ترابها الغالي. شعبٌ بنى بحضارته وثقافته ثروات دولٍ برمتها وظل قرير العين متعففاً ينسج من صبره منارات للمستقبل لكن هذه اللوحة الأسطورية من النقاء والوفرة دُنست بأيادٍ آثمة لتبدأ الفصول الدرامية لأكبر مفارقة إنسانية في عصرنا الحديث.
ثمة نوع من الموت لا تدب فيه الجنائز فوراً بل يزحف ببطء في تفاصيل الحياة اليومية تجده في عيون أبٍ يلتفت يمنة ويسرة في أسواق حضرموت عاجزاً عن شراء قوت عياله وتجده في زفرة أمٍّ تداوي حمى طفلها بالماء البارد لأن المشافي أصبحت تبيع الوهم بجرعات مغشوشة.
المفارقة في حضرموت ليست مجرد فقر بل هي جريمة كاملة الأركان، نحن لا نتحدث عن بقعة قاحلة في صحراء أفريقيا بل عن أرضٍ تنام على بحيرات من النفط وتمتد على سواحل ذهبية وتمتلك تاريخاً تجارياً بنى ثروات دولٍ برمتها. لكن المفارقة السوداء تتجسد عندما يتحول هذا الثراء إلى لعنة فتذهب المليارات إلى حسابات حكامٍ وصوليين وسماسرة في الداخل والخارج بينما يُترك المواطن الحضرمي العزير مكبلاً بـ سياسة التجويع والإذلال.
لقد تفنن هؤلاء المسؤولون في تحويل المنصب من أمانة لخدمة الناس إلى رصيد شخصي يُعرض في مزاد الولاءات الخارجية، رهنوا سيادة الأرض وصمتوا عن نهب الخيرات وتركوا العملة تنهار حتى باتت الرواتب نكتة ثقيلة الظل لا تكفي لشراء كيس دقيق. لقد أرادوا من هذا الشعب أن يظل لاهثاً وراء لقمة العيش مستنزفاً في طوابير الوقود والغاز حتى لا يملك الوقت ليصرخ في وجوههم.. من أين لكم هذا؟ وكيف تسرقون ضوءنا لتنعموا بقصوركم؟
إن ما يحدث اليوم في حضرموت ليس قضاء وقراراً، بل هو جور حكام تجردوا من الإنسانية ومن أدنى معايير الشرف الوطني محاطين بهاله اعلامية زائفة تبرر لهم سوء افعالهم. لكن على هؤلاء العابثين أن يدركوا يقيناً إن أنين الجياع وقهر الرجال لا يذهب سدى في قانون الأرض والسماء، وصبر هذا الشعب الذي يظنونه ضعفاً هو الامتداد الحقيقي لعاصفة ستقتلع كراسيهم الزائفة يوماً ما ولن يتبقى في ذاكرة هذه الأرض الطيبة إلا وجه الإنسان الحضرمي الصامد أما اللصوص.. فالتاريخ كفيلٌ بأن يرميهم في غياهب النسيان والعار.

إغلاق