أوبريت “رحلة النور”.. رأيت فيه سر تميز مدرسة حضرموت
بقلم | عمر أحمد باحريش
شدّني في أحد أيام الأسبوع الماضي أثناء حضوري الحفل التكريمي لحلقات ما بين المغرب والعشاء لمساجد حارات تريم التابعة لدار المصطفى بتريم أوبريت حمل عنوان *“رحلة النور”* كان اسماً جميلاً ، لكنني لم أدرك في البداية عمق الفكرة التي يحملها حتى بدأت فقراته تتوالى ، فإذا بي أمام رؤية تربوية متكاملة ، لا مجرد عمل فني
لقد قدّم الأوبريت صورة حية لدور حلقات العلم في بناء الإنسان ، وكيف أنها امتداد لمدرسة حضرموت التي قامت على التربية قبل التعليم ، وعلى صناعة الإنسان قبل صناعة الشهادات إنها رسالة حافظ عليها السابقون جيلاً بعد جيل ، حتى أصبحت هذه الحلقات منارات تضيء المجتمع
ما أثار إعجابي أن هذه الحلقات تضم قرابة أربعة الف طالب ، يقوم على تعليمهم أكثر من ثمانمائة معلم متطوع يبذلون أوقاتهم وجهودهم دون انتظار راتب أو مقابل مادي، وإنما بدافع الإخلاص، وإيمانهم بأن أعظم الاستثمارات هو الاستثمار في الإنسان
ومن أجمل فقرات الأوبريت تلك التي تناولت المرأة الحضرمية، ودورها في صناعة الأجيال، وغرس القيم، وتربية الأبناء، مع استعراض نماذج مشرقة من نساء حضرموت اللواتي كان لهن أثر عظيم في بناء المجتمع وقد جاء ذلك في وقت تتزاحم فيه شعارات براقة تدعو إلى تحرير المرأة وفق مفاهيم مستوردة، بينما قدّم الأوبريت نموذجاً مختلفاً نموذجاً يرى المرأة شريكاً أصيلاً في صناعة الأجيال والحضارة من خلال رسالتها التربوية والعلمية والاجتماعية
لقد خرجت من هذا الأوبريت وأنا أكثر يقيناً بأن النهضة الحقيقية لا تبدأ بالمباني ولا بالشعارات، وإنما تبدأ من حلقات العلم، ومن المربين والمربيات ومن القيم التي تُغرس في نفوس الأبناء منذ الصغر.
كانت “رحلة النور” أكثر من أوبريت… كانت رسالة، ورؤية، وتذكيراً بأن الأمم التي تحافظ على هويتها وتربيتها، هي الأقدر على صناعة مستقبلها
لا يسعني إلا أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير لكل القائمين على حلقات ما بين المغرب والعشاء ، من المشرفين والمعلمين الذين يبذلون أوقاتهم وجهودهم بصمت وإخلاص ، فبهم تستمر هذه الرسالة المباركة ، وبعطائهم تتخرج أجيال تحمل العلم والقيم
كما أرفع أسمى عبارات الثناء والتقدير للجنة المنظمة والقائمين على إعداد وإخراج حفل *“رحلة النور”* فقد قدموا عملاً راقياً جمع بين الإبداع الفني والرسالة التربوية ، وأظهروا جانباً مشرقاً من مدرسة حضرموت في التربية وصناعة الإنسان نسأل الله أن يبارك في جهود الجميع ، وأن يجعل ما قدموه في موازين حسناتهم ، وأن يديم على حضرموت هذه المنارات التي تنير العقول والقلوب






