اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الاتفاق الإيراني–الأمريكي والمنظومة العربية: الاقتصاد والديموغرافيا ركيزتا القوة العربية.

الاتفاق الإيراني–الأمريكي والمنظومة العربية: الاقتصاد والديموغرافيا ركيزتا القوة العربية.

بقلم / أ. د. رزق سعد الله بخيت
أستاذ جامعي

في مقالٍ سابق ناقشتُ التحول الجيوستراتيجي المتوقع أن يشهده الشرق الأوسط في ظل الاتفاق الأمريكي _ الإيراني ، وما يمكن أن يترتب عليه من إعادة تشكيل لموازين القوى والتحالفات في المنطقة. وفي هذا المقال سأتناول انعكاسات هذا الاتفاق على المنظومة العربية، وأقصد بها مجمل الأوضاع في الوطن العربي، مع التركيز على جانبين رئيسين: الاقتصاد والديموغرافيا.
ومن منظورٍ سطحي قد يبدو أن العرب يقفون خارج إطار هذا الاتفاق، وأنهم يشغلون موقعاً هامشياً في معادلة التفاهمات الإقليمية والدولية. غير أن هذا الموقع الهامشي ليس قدراً محتوماً، بل يمكن تحويله إلى موقعٍ مركزي فاعل إذا ما أُحسن استثمار عناصر القوة التي تمتلكها الدول العربية.
فالعالم العربي يمتلك منظومة متكاملة من المقومات الاستراتيجية، وتأتي الجوانب الاقتصادية في مقدمة هذه المقومات. إذ تمتلك الدول العربية احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، فضلاً عن موقع جغرافي فريد يربط بين القارات الثلاث، وممرات بحرية تُعد من أهم شرايين التجارة والطاقة العالمية. وإذا ما وُظفت هذه الموارد بصورة علمية واستراتيجية، فإنها قادرة على تعزيز مكانة العرب في النظامين الإقليمي والدولي.
ويأتي قطاع الطاقة في مقدمة المجالات التي تتطلب رؤية عربية مشتركة. فبدلاً من التعامل مع النفط والغاز بوصفهما مجرد مصدر للإيرادات المالية، ينبغي النظر إليهما باعتبارهما أداتين لتعزيز التكامل الاقتصادي العربي وتحقيق التنمية المستدامة. وهذا يتطلب إعادة بناء استراتيجية عربية للطاقة تقوم على تنسيق السياسات الإنتاجية والتسويقية والاستثمارية، وتوجيه العوائد نحو تنويع الاقتصادات العربية، وتطوير قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والبحث العلمي.
إن التحولات التي قد تنجم عن أي تقارب أمريكي–إيراني لا ينبغي أن تُقرأ بمنطق التهديد فقط، بل بمنطق الفرص أيضاً. فالتاريخ يثبت أن الأمم القادرة على توظيف مواردها وإمكاناتها هي التي تستطيع تحويل المتغيرات الدولية إلى مكاسب استراتيجية، بينما تظل الأمم المنقسمة مجرد متلقية لنتائج تلك التحولات. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام المنظومة العربية لا يكمن في الاتفاق ذاته، بل في مدى قدرتها على بناء مشروع عربي متكامل يجعلها طرفاً مؤثراً في صناعة مستقبل المنطقة، لا مجرد متأثر بما يُصنع خارجها.
أما القوة الثانية فتتمثل في القوة الديموغرافية العربية. فالعالم العربي يمتلك كتلة سكانية كبيرة يزيد عددها على 450 مليون نسمة، وتشكل فئة الشباب والأطفال النسبة الأكبر منها، وهو ما يمثل «نافذة ديموغرافية» مهمة يمكن أن تتحول إلى مصدر قوة استراتيجية إذا ما أُحسن استثمارها.
وتحقيق ذلك يتطلب التركيز على تنمية الإنسان العربي من خلال سياسات فعالة في التعليم والتدريب والتأهيل والرعاية الصحية، بما يسهم في بناء رأس مال بشري قادر على المنافسة والإبداع. وفي هذا السياق يمكن الاستفادة من تجارب دول النمور الآسيوية التي انتقلت من موقع الهامش في الاقتصاد العالمي إلى موقع المركز، بفضل استثماراتها المكثفة في الموارد البشرية والتعليم والتكنولوجيا والابتكار.
إن القوة الديموغرافية العربية لا تزال بحاجة إلى استراتيجية شاملة تعيد تنظيم هذا المورد البشري وتوجيهه نحو الإنتاج والمعرفة، وتربط بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، بما يضمن تحويل الكثافة السكانية من عبء تنموي إلى رافعة اقتصادية وحضارية.
فالمورد البشري المؤهل هو الأساس الحقيقي لبناء اقتصاد المعرفة، وتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز القدرة التنافسية للدول العربية في عالم يتجه بصورة متسارعة نحو الاقتصاد الرقمي والابتكار والتكنولوجيا المتقدمة. وإذا نجحت الدول العربية في استثمار هذه النافذة الديموغرافية، فإنها ستكون قادرة على إحداث تحول تاريخي يجعلها شريكاً فاعلاً في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقٍ لنتائج التحولات العالمية.
وفي المحصلة، فإن امتلاك الموارد الاقتصادية والكتلة البشرية الكبيرة لا يكفي وحده لتحقيق المكانة الدولية المنشودة، ما لم يُترجم ذلك إلى مشروع تنموي عربي متكامل يقوم على الاستثمار في الإنسان، وتعظيم الاستفادة من الموارد، وتعزيز التكامل الاقتصادي والمعرفي بين الدول العربية. عندها فقط يمكن للعالم العربي أن يتحول من ساحة تتأثر بالتحولات الدولية إلى قوة مؤثرة في صياغتها.
(يتبع: الجغرافيا العربية… نقطة الارتكاز في النظام العالمي الجديد)

إغلاق