الوعي الجنوبي
بقلم : محمد سعيد كلشات
ناشط سياسي وإعلامي ـــ محافظة المهرة
طالما راهنت بعض القوى السياسية على إمكانية سوق الجماهير بالشعارات الرنانة والمشاريع العاطفية، واهمةً أن وهج الخطابات يمكن أن يُعمي الأبصار عن الحقائق على الأرض. لكن المتغيرات المتسارعة أثبتت أن أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية يمتلكون من الوعي والإدراك والعمق السياسي ما يجعلهم يميزون بوضوح بين القضية العادلة والمشاريع الوهمية، وبين العمل المؤسسي الوطني والعبث المليشياوي، اليوم سقطت الأوهام و انتصرت الإرادة الحرة.
سقوط احتكار القضية وانكشاف الواقع:
لقد تغلغل الوعي اليوم في صفوف النخب والشعب على حد سواء، وبات الجميع يدرك أن قضية الجنوب ليست حكراً على فصيل أو مكون بعينه، وأن “المجلس الانتقالي الجنوبي” لا يمثل وحده تطلعات هذه الجغرافيا. هذا الإدراك لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة طبيعية لتكشف المواقف والسياسات، والانتهاكات والجرائم الموثقة التي ارتكبتها وتستمر في ارتكابها المليشيات التابعة له، لا سيما قوات الحزام الأمني في العاصمة المؤقتة عدن. هذه الممارسات عكست هوية ضيقة لا تشبه تطلعات الدولة والمؤسسات التي ينشدها أبناء المحافظات.
المحافظات الشرقية:
رفض التبعية وسياسة الحديد والنار:
يتجلى هذا الوعي الجنوبي والشرقي بأبهى صوره في المواقف الصلبة لأبناء المحافظات الشرقية—حضرموت، المهرة، شبوة، وسقطرى. لقد حاول الانتقالي تكريس سياسة عنصرية ومناطقية مقيتة، تسعى لتحويل أبناء هذه المحافظات الغنية بوعيها وتاريخها وثرواتها إلى مجرد “أتباع” لا رأي لهم ولا قرار، ومحاولة إخضاع أهل حضرموت والمهرة بقوة الحديد والنار وفرض الإرادة بالقوة العسكرية.
هذا الصلف قوبل برفض محلي واسع، انتفضت فيه المكونات القبلية والمدنية لحماية هويتها وقرارها السيادي. ولم يكن هذا الرفض معزولاً، بل حظي بتفهم ودعم وإسناد أخوي من دول الجوار، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، اللتان تدخلتا سياسياً وعسكرياً انطلاقاً من مواقفهما المبدئية والاتفاقيات والمواثيق الرسمية الموقعة مع الدولة اليمنية، لضمان الأمن والاستقرار ومنع انزلاق هذه المناطق نحو الفوضى.
تخبط المليشيات وسلوك العجز:
اليوم، يعيش هذا المشروع حالة متقدمة من الضعف والتآكل الداخلي، وهو ما يفسر حالة التخبط والارتباك العارم في خطابه الإعلامي والسياسي. لقد وصل الإفلاس بهذا الفصيل وأنصاره إلى توجيه اللوم والعتب، بل والانتقاد الشديد والعداء العلني للمملكة العربية السعودية لمواقفها المتوازنة تجاه اليمن عموماً والمحافظات الشرقية والجنوبية بصفة خاصة.
بل إن هذا الضيق السياسي تحول إلى حالة من المراهقة الميدانية والإعلامية، وصلت إلى حد الاحتفال الهستيري بهزيمة المنتخب السعودي في مباريات كأس العالم، في مؤشر واضح على حجم الغبن والتبعية الفكرية وسقوط الأقنعة العروبية التي كانوا يتسترون خلفها.
ختاماً:
المحافظات الشرقية ترسم مستقبلها:
على قيادة هذا الفصيل وأنصاره الكف عن مكابرتهم، وأن يدركوا أن درجة الوعي الشعبي قد تجاوزتهم بمراحل. الجنوب ليس ملكية خاصة لفئة أو منطقة دون غيرها، والجغرافيا لا تُقاد بسياط المليشيات.
إن المحافظات الشرقية اليوم ترسل رسالة واضحة لا لبس فيها: حضرموت والمهرة و شبوة وسقطرى لا تؤمن بمشروع “الجنوب العربي” المزعوم، بل تؤمن بحقها الكامل والمشروع في تحقيق حكم ذاتي محلي لإقليمها، بناءً على مخرجات الحوار الوطني الشامل التي أنصفت هذه الإقليم. إن المحافظات الشرقية اليوم ليست تابعة لجنوب يفرض صياغته من طرف واحد، ولا لشمال يريد إعادتها لبيت الطاعة؛ إنها إقليم بذاته، يملك قراره وثروته وإرادته، ومحمي بوعي أبنائه و سياج جيرانه.






