وطن على جهاز الإنعاش..
بقلم / م. عبدالله باعباد
لم يعد المواطن اليمني أو الجنوبي أو الحضرمي أو سمه ما شئت… فعلى قدر المسميات كثر الشتات ..
لم يعد كل اولئك في البحث عن الرفاهية، ولا يطالبون بمشاريع عملاقة أو مدن ذكية أو برامج تنموية طموحة. كل ما يريده اليوم هو أن يصل الماء إلى منزله، وأن تضيء الكهرباء مصباحاً في غرفة أطفاله، وأن يتسلّم راتبه الذي أصبح ضيفاً نادراً، وأن يجد الوقود دون أن يدخل في متاهة الأزمات المتكررة.
لكن الواقع يقول شيئاً مختلفاً تماماً !!
فبعد سنوات طويلة من الوعود والخطط واللجان والاجتماعات والبيانات الرسمية، ما زالت الأزمات نفسها تعود في كل موسم بصورة أكثر قسوة من سابقاتها، وكأن الجهات المسؤولة لم تتعلم شيئاً من تجارب الأمس، أو كأن معاناة الناس تحولت إلى مشهد اعتيادي لا يستدعي الاستنفار.
في حضرموت، المحافظة التي يفترض أن تكون نموذجاً للاستقرار والإدارة والخدمات، تجاوزت انقطاعات الكهرباء حدود المعقول، حتى بات الصيف موسماً للرعب لا للراحة. ساعات طويلة من الظلام والحرارة الخانقة، ومواطنون يقضون لياليهم في مطاردة نسمة هواء هاربة من محافظة أنهكها الإهمال وتآكلت فيها البنية التحتية عاماً بعد آخر. وتشير كل القراءات الحالية إلى أن أزمة الكهرباء ترتبط بنقص الوقود وتهالك المحطات وغياب المعالجات المستدامة، وهي الأسباب ذاتها التي تتكرر في كل عام دون حلول جذرية.
أما المياه، فقد تحولت في كثير من الأحياء إلى سلعة نادرة، يطاردها المواطن كما يطارد السراب في الصحراء. ومع كل انقطاع للكهرباء تتعطل المضخات، ومع كل أزمة وقود تتعثر خدمات الإمداد، لتتشابك الأزمات في دائرة مغلقة يدفع ثمنها المواطن وحده.
وفي الجانب المعيشي، تبدو الصورة أكثر قساوة. فالرواتب المتأخرة، والانهيار المستمر للعملة، وارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية، جعلت من الحياة اليومية معركة مفتوحة يخوضها المواطن كل يوم. وأصبح الموظف الذي كان ينتظر راتبه لتغطية احتياجات أسرته ينتظر اليوم مجرد موعد لصرف مستحقاته، إن صُرفت أصلاً.
المشكلة لم تعد في وجود أزمة عابرة، بل في إدارة الأزمات نفسها. فالدولة التي يفترض أن تمتلك خطط الطوارئ والاستعدادات المسبقة تبدو وكأنها تتفاجأ بالأحداث ذاتها كل عام. الصيف يأتي فجأة، والوقود ينفد فجأة، والمحطات تتعطل فجأة، والمياه تنقطع فجأة، وكأن البلاد لا تعيش هذه السيناريوهات منذ سنوات طويلة.
الأكثر إيلاماً أن المواطن يسمع كثيراً عن المنح والدعم والمساعدات والبرامج الإسعافية، لكنه لا يرى انعكاسها الحقيقي على حياته اليومية بالقدر الذي يتناسب مع حجم الاحتياج. فبين ما يُعلن في المؤتمرات وما يصل إلى الشارع مسافة طويلة من الأسئلة التي ما زالت تبحث عن إجابات مقنعة.
ولا يمكن لأي مراقب منصف أن يتجاهل الدور الذي يفترض أن تؤديه الدول الشقيقة الداعمة لليمن. فحجم الحضور السياسي والاقتصادي يجعل الشارع يتطلع دائماً إلى نتائج أكثر استدامة وأثراً. غير أن المواطن البسيط لا يقيس الأمور بحجم التصريحات ولا بأرقام المنح المعلنة، بل بعدد ساعات الكهرباء التي تصل إلى منزله، وبتوفر الماء في حيه، وبقدرته على شراء احتياجات أسرته دون أن يضطر إلى بيع ما تبقى لديه من مقتنيات.
اليوم يقف المواطن اليمني أمام مشهد يختصر حجم المأساة: دولة تبحث عن حلول مؤقتة لأزمات دائمة، وشعب يستهلك ما تبقى من صبره في انتظار انفراجة لا تأتي. وبين هذا وذاك، تستمر عجلة الحياة في الدوران ببطء شديد، حتى يكاد المرء يشعر أن البلاد لا تعاني من أزمة خدمات فحسب، بل من أزمة إدارة، وأزمة رؤية، وأزمة إحساس بحجم المعاناة التي يعيشها الناس.
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي أمة ليس نقص الموارد، بل اعتياد الأزمات. وحين يصبح انقطاع الكهرباء خبراً عادياً، وتأخر الرواتب أمراً مألوفاً، وشح المياه جزءاً من الروتين اليومي، فإن الخطر الحقيقي لا يكون في الأزمة نفسها، بل في تحولها إلى واقع دائم.
والمواطن اليوم لا يطلب المستحيل؛ فقط يطالب بحقه الطبيعي في حياة كريمة، وبأن تتحول الوعود إلى أفعال، والخطط إلى مشاريع، والدعم إلى نتائج ملموسة، قبل أن يتوقف ما تبقى من نبض في وطن أنهكته الأزمات المتكررة.






