اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

اليمن وفلسفة “نبّاش القبور”: حين يصبح السوء طموحاً!

اليمن وفلسفة “نبّاش القبور”: حين يصبح السوء طموحاً!

بقلم / صالح برك الجابري
الخميس 4 يونيو 2026

يروى في مأثوراتنا الشعبية، وهي مأثورات لا تخلو من حكمة سوداء، قصة ذلك الرجل الذي عاش حياته يقتات من “نبش القبور” لسرقة أكفان الموتى، لكنه بـ “أخلاقه العالية” كان يحرص دائماً على إعادة الجثة إلى لحدها وتغطيتها بالتراب. مات الرجل، فترك خلفه ابناً بارّاً، ساءه أن يسمع الناس يلعنون والده ليل نهار.

قرر الابن “تبييض” سمعة أبيه، لا بالتوبة، بل بممارسة المهنة بأسلوب “عصري” وأكثر توحشاً؛ فصار يسرق الكفن ويرمي الجثة على قارعة الطريق لتنهشها الكلاب. هنا، وفي لحظة تجلٍّ يمنية بامتياز، ترحّم الناس على الأب قائلين: “رحم الله النابش الأول، فقد كان يحفظ للميت حرمته!”

هذه الأسطورة تلخص تماماً المشهد السياسي اليمني الراهن عند المقارنة بين عهد علي عبد الله صالح وما تلاه. لسنا هنا بصدد تلميع صفحة “الزعيم”، فخطاياه السياسية والاقتصادية تكفي لملء مجلدات، لكن “الخلفاء” الذين اعتلوا كراسي الحكم بعده جعلوا من عهده يبدو وكأنه “العصر الفيكتوري” لليمنيين.

*حرمة الميت (المواطن):* كان صالح “ينبش” جيوب اليمنيين ويستنزف مقدراتهم، لكنه كان يُبقي لهم “كفناً” يواري سوءات الحاجة، ويحفظ هيكل الدولة قائماً ولو بالخداع.

*عصر الرمي على القارعة:* أما حكام الصدفة اليوم، فقد سلبوا الكفن، والكرامة، والوطن، وتركوا المواطن اليمني عارياً تماماً أمام ريح الجوع والذل، بلا سقف يحميه ولا دولة تواريه.

*خاتمة متهكمة*

إن وصول اليمنيين لمرحلة الترحم على “سارق الكفن الأول” ليس حباً في السرقة، بل هو إعلان هزيمة أمام بشاعة “النبّاشين الجدد” الذين لا يعترفون بقدسية الميت ولا بحقوق الحي.

لقد نجح القادة الحاليون في معجزة سياسية لم يسبقهم إليها أحد: لقد جعلوا من “السوء” ذكريات جميلة، ومن “الفساد” طموحاً مستحيلاً، ومن “علي عبد الله صالح” قديساً في عيون المشردين على أرصفة الأزمات. حقاً، رحم الله النابش الأول.. فقد كان “نصاباً” بلمسة إنسانية، أما هؤلاء، فلا تركوا كفناً نُستر به، ولا قبراً ننام فيه بسلام.

إغلاق