التمثيل أم المشروع؟ الأبوية السياسية وأجنّة التسويات الهشّة
بقلم | د .صائل بن رباع
الثلاثاء 12 مايو 2026
تعاني مقاربات إدارة الملف اليمني خلال السنوات الأخيرة من إشكالية جوهرية تتعلق بطريقة إنتاج التصورات والحلول، حيث أصبحت كثير من الأفكار والمبادرات تُصاغ داخل دوائر مغلقة يغلب على القائمين عليها الطابع الأمني والإجرائي، إضافة إلى النظرة الإقليمية المرتبطة بالمصالح الجيوسياسية، أكثر من اعتمادها على الخبرة السياسية العميقة أو الفهم المتراكم لطبيعة التحولات المجتمعية وآليات بناء التوافقات الديمقراطية المستدامة.
وفي المقابل، فإن البيئة السياسية اليمنية نفسها تعاني من أزمة بنيوية مزمنة، إذ برزت خلال العقود الماضية طبقة سياسية ونخبوية اعتادت إدارة المجال العام بعقلية النفوذ والمصالح وردود الفعل، أكثر من قدرتها على بناء مشاريع وطنية أو تقديم معالجات حقيقية للأزمات المتراكمة. كما أن جزءاً واسعاً من التحركات السياسية في اليمن اتخذ، عبر مراحل مختلفة، طابعاً صدامياً أو تعبوياً تحت عناوين ثورية أو حقوقية أو مناطقية أو أيديولوجية، دون أن ينجح فعلياً في بناء مؤسسات مستقرة أو إنتاج حلول قابلة للاستمرار.
ومع الوقت، تشكلت بيئة سياسية يغلب عليها البحث عن “الأبوية السياسية”، بحيث تميل كثير من الشخصيات والقوى إلى الاحتماء برعاة خارجيين أو مراكز نفوذ عليا، وتتحرك ضمن شبكات مصالح أكثر من تحركها ضمن مشاريع وطنية واضحة المعالم. وهذه الطبيعة تجعل من أي عملية لإعادة تشكيل المشهد السياسي، إذا لم تُدار بحذر شديد، مدخلاً لإعادة إنتاج الأزمة بدلاً من معالجتها.
ومن هنا، فإن آليات الحوار السياسي بحد ذاتها تتحول إلى معضلة رئيسية أمام الجهات الراعية لأي تسويات أو ترتيبات مستقبلية، خصوصاً عندما يتم التركيز على إنتاج هياكل تمثيلية جديدة دون معالجة الاختلالات العميقة في الثقافة السياسية وطبيعة العلاقة بين المجتمع والقوى الفاعلة فيه.
كما أن الاتجاه نحو إنشاء كيانات أو مجالس تمثيلية جديدة انطلاقاً من نفس الأدوات والشخصيات والبنية التقليدية قد يؤدي عملياً إلى توسيع دائرة التنافس والصراع داخل المجتمع، لأن المسألة لن تبقى مرتبطة بالتمثيل السياسي في معناه الصحي، بل ستتحول تدريجياً إلى سباق على النفوذ والشرعية والرعاية السياسية. ومع غياب المؤسسات المستقرة والثقافة الديمقراطية المتجذرة، فإن هذا النوع من الحراك قد يدفع مزيداً من الأفراد والمجموعات إلى دخول المجال السياسي بدوافع مرتبطة بالمصالح أو الحماية أو التموضع المستقبلي، لا بدافع بناء مشروع عام.
وهنا تكمن الخطورة، إذ قد يبدو الصراع في ظاهره سياسياً أو مدنياً، بينما تتحرك في عمقه اعتبارات النفوذ الشخصي، والولاءات الضيقة، والتنافس على مراكز القوة والارتباطات الخارجية، وهو ما قد يقود إلى مزيد من التفكك والتوتر بدلاً من إنتاج الاستقرار.
ولهذا، يبدو من الضروري إعادة التفكير في منهجية الحوار نفسها. فبدل أن ينشغل الجميع بسؤال: “من يمثل المجتمع؟”، ربما يكون السؤال الأهم: “ما هو المشروع الذي يحتاجه المجتمع؟”.
فالتركيز المفرط على قضايا التمثيل وتقاسم المواقع قبل الاتفاق على طبيعة المشروع الوطني أو المحلي المطلوب، يدفع بطبيعة الحال إلى صراعات حول الأشخاص والكيانات والهويات، بينما يفترض أن يكون الأصل هو التنافس بين المشاريع والرؤى والحلول.
قد يقول قائل ومن يطرح المشروع؟ والحقيقة هو سؤال منطقي، لكن بإعتقادي أن المشاريع في اليمن قد صيغت منذ وقت طويل فبين المركزية والفيدرالية اوالكونفيدرالية أو حتى الانفصال تكمن المشاريع، وهذه مشاريع لا يصيغ فلسفتها ومضامينها حملة الشعارات والبنادق ولا يقررها أصحاب المصالح الضيقة،
بل تفرضها موازين القوى أوصناديق الإقتراع…..
إن المجتمعات المستقرة لا تُبنى عبر تضخم الهياكل التمثيلية بقدر ما تُبنى عبر وضوح المشاريع وقدرتها على تحقيق مصالح الناس ومعالجة أزماتهم. وعندما تُطرح مشاريع واقعية وقابلة للحياة في الاقتصاد والإدارة والخدمات والاستقرار والعدالة، فإن الناس بطبيعتهم سيصطفون حول المشروع الأكثر إقناعاً وجدوى، لا حول الأكثر صخباً أو قرباً من مراكز النفوذ.
ولهذا فإن أي مقاربة جادة لمعالجة الوضع في حضرموت أو الجنوب أو اليمن عموماً تحتاج إلى الانتقال من عقلية “إدارة التمثيل” إلى عقلية “بناء المشروع”، ومن محاولة جمع الأشخاص تحت مظلات سياسية واسعة إلى بناء رؤى عملية تخلق التوافق والاستقرار بصورة طبيعية ومستدامة، مع إعطاء أولوية حقيقية لتفاصيل الحياة اليومية للمواطن المنهك أصلاً من استمرار الصراع، وتهاوي الخدمات، وتراجع مقومات الحياة الأساسية، باعتبار أن استعادة ثقة المجتمع تبدأ من تحسين واقعه المعيشي قبل أي ترتيبات سياسية كبرى.
وأتذكر بيت شعر شعبي سمعته قديماً يقول :
“قِدْ البلاد حامل وبالتأكيد قدها مثقله .::.
الله يخارجنا جميعاً من تكاليف الولاد…..”
ودمتم بسعادة…بإنتظار الجنين……






