لماذا تراجع حضور حلف قبائل حضرموت بعد بيان الطرف الثالث؟
بقلم / عمار العامري
“صحفي ومحلل سياسي”
منذ أن رفع حلف قبائل حضرموت سقف خطابه السياسي في بيان له مطلع عام 2026، بدا واضحًا أن المشهد اليمني دخل مرحلة جديدة لا تتعلق فقط بالخدمات أو تقاسم المناصب، بل بطبيعة الدولة نفسها ومن يملك حق تعريفها، فالبيان الذي أصدره الحلف حينها لم يكن اعتراضًا على صيغة حكومية، بل محاولة سياسية لإعادة رسم الخريطة الذهنية للصراع، عبر طرح حضرموت كطرف مستقل لا تابعًا لمعادلة الشمال والجنوب التي حكمت البلاد لعقود.
في ذلك الوقت، قرأ كثيرون البيان بوصفه رسالة ضغط لتحسين شروط التفاوض، غير أن القراءة الأعمق كانت تشير إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ حمل البيان ملامح مشروع سياسي ناشئ يريد الانتقال من دائرة التأثير القبلي والاجتماعي إلى مستوى الشراكة في القرار السيادي، ولهذا لم يكن مستغربًا أن تبدأ منذ الأشهر التالية حالة من التراجع التدريجي لحضور الحلف داخل المشهد، خاصة بعد تشكيل“حكومة كفاءات” و”أولوية الاقتصاد والخدمات” و”إبعاد البلاد عن الصراعات السياسية”.
ظاهريًا، هذا الخطاب منطقيًا في بلد أنهكته الحرب والانهيار الاقتصادي، لكن التمعن في توقيته يكشف جانبًا آخر أكثر تعقيدًا، فحين ترتفع مطالب قوى محلية بإعادة توزيع النفوذ والثروة والتمثيل السياسي، يظهر عادة خطاب مضاد من المركزيات يدعو إلى تجاوز الاصطفافات السياسية والمناطقية لصالح الإدارة الفنية للدولة، وهنا تتحول “حكومة الكفاءات” من مفهوم إداري إلى أداة سياسية لإعادة ضبط التوازنات.
المسألة لا تتعلق بالكفاءة بحد ذاتها، بل بما تعنيه ضمن السياق اليمني الحالي، فالحكومة التي يروّج لها لا تبدو معنية بإعادة تعريف شكل الدولة أو معالجة جذور الأزمة السياسية، بقدر ما تركز على منع الانهيار، وتهدئة السوق، وضبط الملف الأمني، وإدارة الموارد ضمن توازنات قائمة مسبقًا، أي أنها أقرب إلى حكومة إدارة أزمة منها إلى حكومة مشروع وطني بقالب جديد.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم لماذا تراجع الحديث عن المطالب السياسية الكبرى بالتوازي مع صعود خطاب “الاستقرار أولًا”، فالقوى الإقليمية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، تنظر إلى اليمن اليوم باعتباره ملفًا أمنيًا واقتصاديًا واستراتجيًا حساسًا أكثر من كونه ساحة لإعادة إنتاج مشاريع سياسية مفتوحة، ولهذا تميل إلى دعم الصيغ القابلة للإدارة والسيطرة، حتى وإن جاءت على حساب طموحات بعض القوى المحلية.
السعودية تدرك أن أي كيان محلي يمتلك خطابًا سياسيًا مستقلًا، وقاعدة اجتماعية واسعة، وموقعًا جغرافيًا مهمًا مثل حضرموت، يمكن أن يتحول مع الوقت إلى مركز نفوذ يصعب التحكم باطموحاته، لذلك فإن القبول الضمني بتقليص مساحة الحلف أو احتواء خطابه لا يُفهم بالضرورة باعتباره موقفًا عدائيًا مباشرًا، بل باعتباره جزءًا من سياسة أوسع تقوم على منع تشكل مراكز قوة خارج منظومة التوازنات الإقليمية القائمة.
وفي الداخل، لعبت الأزمات المعيشية دورًا مهمًا في إعادة تشكيل المزاج الشعبي، فالمجتمعات المنهكة اقتصاديًا لا تمنح الأولوية دائمًا للشعارات السياسية الكبرى، بل لمن يستطيع تخفيف الأعباء اليومية، ومع كل أزمة أو اضطراب خدمات، يصبح من السهل توجيه اللوم نحو القوى التي ترفع سقف مطالبها السياسية، حتى وإن لم تكن مسؤولة فعليًا عن تلك الأزمات، وهنا تبدأ عملية الاستنزاف المعنوي، حيث يتحول الفاعل السياسي من حامل لمطالب شعبية إلى متهم بتعطيل الاستقرار.
ما جرى خلال الأشهر الماضية ليس خلاف حول تشكيل حكومة، بل صراع هادئ بين مشروعين مختلفين: مشروع يسعى إلى إعادة تعريف الشراكة السياسية وإبراز نفسه كطرف ثالث داخل اليمن، ومشروع آخر يفضل إدارة التوازنات القائمة بأقل قدر ممكن من التغييرات الجذرية. وبين المشروعين، تتحرك القوى الإقليمية وفق حسابات الأمن والنفط و(الاستقرار الغير مكلف)، لا وفق العواطف أو الشعارات.
ولذلك، فإن تراجع حضور بعض القوى اليوم لا يعني بالضرورة نهايتها السياسية، بقدر ما يعكس طبيعة المرحلة الحالية التي تعطي الأولوية للإدارة الأمنية والاقتصادية على حساب المشاريع السياسية المفتوحة.






