من يقف خلف إعلام الهاشمي الحامدي
بقلم | عبدالله سالم النهدي
الاحد 10 مليو 2026
كثير من الجنوبيين يتابعون ما يكتبه التونسي محمد الهاشمي الحامدي على حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي، أو ما يذيعه عبر قناته التي تبث من لندن على القمر الصناعي (نايلسات)، ويندهشون من عدائه السافر للقضية الجنوبية، مقابل تملقه البائس للمملكة العربية السعودية وتأييده لموقفها من القضية.
في الحقيقة، عرفت هذا الرجل إعلاميا منذ وقت مبكر، قبل أن تنتشر أجهزة البث الفضائي في طول البلاد وعرضها، تلك التي كانت تستقبل قناته (المستقلة)، المتناوبة على التردد القمري مع قناة (الديمقراطية) العراقية، وكلتاهما تبثان من لندن.
عرفته أولا من خلال صحيفته (المستقلة)، التي سبقت القناة في الظهور. وكانت الصحيفة تصدر من لندن، وتوزع في عواصم ومدن عربية، بينها مدينة عدن. وكنت أحرص على اقتنائها إلى جانب مجلات وصحف عربية أخرى، في أيام الزمن الجميل، حين كانت هذه الوسائل تمثل منابع الثقافة الحقيقية التي نهلنا منها ما يروي شغفنا بالمعرفة. وكان ذلك في تسعينات القرن الماضي.
أذكر أنني دهشت وأنا أقرأ، في العدد ٢٧٩ الصادر في أكتوبر ١٩٩٩م من صحيفته — وما زلت أحتفظ بالعدد — مقاله المعتاد في صدر الصفحة الأخيرة، الذي أعلن فيه انتقال طاقم الصحيفة من مكتبه في ضاحية ويمبلي إلى مبنى دار المستقلة الجديد، الواقع شمال غربي لندن، في منطقة تتوسط مطار هيثرو وقلب العاصمة البريطانية. وأوضح أن هذا المبنى سيجمع بين الصحيفة والقناة، إلى جانب شركة جديدة أسسها واختار لها اسم (نورا) للإنتاج الإعلامي، وهي — بحسب وصفه في مقاله — متخصصة في التسويق الإعلامي عمومًا، والتلفزيوني على وجه الخصوص.
كان ذلك مشروعًا ضخما، بكل المقاييس، في أواخر القرن الماضي، مع بدايات صعود المؤسسات الإعلامية الكبرى. لذلك توقعت أن تكون خلف الرجل جهة حكومية نافذة، على غرار BBC التي تقف وراءها بريطانيا العظمى، أو أنه يدير إمبراطورية اقتصادية وتجارية ومالية هائلة، خصوصًا أن معظم المؤسسات الإعلامية البارزة آنذاك كانت مملوكة لشيوخ وأمراء خليجيين، مثل LBC وOrbit وART وMBC.
وقد تضاعفت دهشتي بعدما شاهدت البث المرئي للقناة منذ عام ٢٠٠٤م وما بعده، بعدما انقطعت عن متابعة الصحيفة. فقد بدت القناة أقرب إلى غرفة واحدة، بلا برامج حقيقية، سوى استوديو حواري يستحوذ على معظم ساعات البث. وكانت الموضوعات الخلافية تهيمن على محتواه، وفي مقدمتها الخلاف السني الشيعي، الذي أفردت له مساحة واسعة، إلى جانب اهتمام ملحوظ بالحراك الجنوبي واستضافة بعض إعلامييه. كما خصصت مساحة للتغيرات التي شهدتها المملكة العربية السعودية، مع إظهار قدر واضح من عدم الرضا تجاه ما يحدث فيها فنيا.
ويبدو أن صاحبنا، بعد أن استنفد الموضوعات المثيرة، عاد مجددا إلى القضية الجنوبية لتصبح مادته الأثيرة. أما دهشتي القديمة فقد تحولت، مع مرور الوقت، إلى توجس وريبة تجاه القناة، وتجاه الجهة التي يمكن أن تقف خلفها فعليا. فمن غير المنطقي، في تقديري، أن تستمر قناة بهذه الإمكانات المحدودة؛ يديرها شخص واحد يكاد يكون كل شيء فيها، بلا برامج احترافية، ولا إعلانات مؤثرة، ولا موارد واضحة… لا شيء تقريبا.
حدث ذلك في وقت كانت فيه إمبراطوريات إعلامية ضخمة تتهاوى، رغم جماهيريتها الواسعة ومحتواها الجذاب، مثل شبكة Orbit، وشبكة Showtime، وإمبراطورية صالح كامل الإعلامية ART، فضلا عن قنوات خليجية أخرى تقف خلفها رؤوس أموال هائلة. بينما ظلت قناة الهاشمي الحامدي تواصل الإبحار بلا أشرعة واضحة.
فما الذي جعلها تصمد؟
إن قلنا إن السر في المحتوى، فمحتواها — في رأيي — بسيط وسطحي، وضيوفها غالبا من الأسماء المجهولة أو محدودة التأثير والشعبية، ولا يجد المشاهد في متابعتهم ما يشد الانتباه طويلا.
أما الإعلانات، فهي شبه غائبة.
إذن، من أين يأتي تمويل القناة؟
الهاشمي الحامدي تونسي الجنسية، لكنه يعيش في بريطانيا، ويحمل جنسيتها، ويمارس حياته وحقوقه كأي مواطن بريطاني في لندن.
ومن المعروف أن بريطانيا تضم أحد أكبر تجمعات جماعة الإخوان المسلمين. كما أن ثمة روايات تربط تاريخ نشأة الجماعة بعلاقات مبكرة مع الاستخبارات البريطانية؛ إذ يذكر جون كولمان، الضابط السابق في MI6، أن الجماعة أُنشئت بدعم من شخصيات مرتبطة بالجهاز، بهدف إبقاء الشرق الأوسط، وخاصة مصر، تحت النفوذ البريطاني.
كما أن المتابع لطرح الرجل الإعلامي يلحظ بسهولة توجهه الإخواني الواضح، من خلال تبنيه مواقف الجماعة، بل وانحيازه الصريح لها في كثير مما يقدمه.
لهذا قد تدور في الخلد التكهنات أن يكون الهاشمي الحامدي جزءا من مشروع إعلامي مدعوم، يؤدي دور الصوت الإعلامي القريب من الجماعة، وإن بدا ظاهريا مستقلا عنها، بينما هو — في تقديري — منغمس في خطابها وتوجهاتها.
وربما لا تكمن خطورة الهاشمي الحامدي باعتباره إعلاميا يختلف معه الجنوبيون أو يتفقون نتيجة مايقدمه ضد قضيتهم العادلة، فذلك أمر طبيعي في عالم السياسة والإعلام، وإنما في طبيعة الخطاب الذي يقدمه، والجهة التي يبدو أنه يخدمها، والرسائل التي يسعى إلى تمريرها تحت لافتة الإعلام المستقل. فالإعلام، في نهاية المطاف، ليس مجرد شاشة أو استوديو صغير يبث من لندن، بل مشروع نفوذ وتأثير وصناعة رأي عام. وحين تستمر منصة إعلامية لسنوات طويلة، رغم ضعف مواردها الظاهرة وتواضع محتواها، فمن حق المتابع أن يتساءل: من يقف خلفها؟ ولماذا؟ ولصالح من تُدار معاركها الإعلامية؟
تلك أسئلة قد لا يملك كثيرون إجابات قاطعة عنها، لكنها تبقى — في ظل هذا التناقض كله — مشروعة، بل وضرورية.






