أثر غياب الكفاءة على مؤسسات الدولة
بقلم / د. فائز سعيد المنصوري
الجمعة 1 مايو 2026
حين يُسند إشراف إدارات التربية والصحة والأشغال والمالية وغيرها من المؤسسات الخدمية إلى من يفتقر للتأهيل العلمي والخبرة الإدارية، فإن الخلل يتجاوز حدود الخطأ الإداري المعتاد، مما يثير تساؤلاً جوهرياً عن مفهوم الدولة ومعاييرها. فالمحافظ أو المدير العام لا يشغل وظيفة عادية، بل موقعاً قيادياً يؤثر في مصير مرافق حيوية وموازنات ضخمة، ويتحمل مسؤولية أداء المؤسسات وحياة مئات الآلاف من المواطنين. وعندما يتحول هذا المنصب إلى مكافأة للولاء بدلاً من استحقاق للكفاءة، تكون النتيجة الحتمية غياب التخطيط الاستراتيجي، وتدني مستوى الخدمات العامة من كهرباء وماء وصحة، وتراجع العملية التعليمية، وانعدام الشفافية في إدارة الموارد.
وإذا تولى هذه المناصب من يفتقر للحد الأدنى من التأهيل الجامعي أو الخبرة المهنية، يبرز تساؤل مشروع: ما جدوى الجامعات وتخريج الكوادر إذا كانت القيادة لا تقوم على معايير الكفاءة؟ ثم نعود لنتساءل عن أسباب تأخر البلاد؛ فكيف تُبنى النهضة بقيادات تفتقر للأدوات العلمية والمهارية اللازمة؟
*إن أسباب صعود غير الأكفاء إلى المناصب الحساسة تتلخص في:*
*أولاً:* طغيان معيار الولاء على الكفاءة، حيث أصبحت الواسطة الحزبية أو القبلية بوابة التعيين الأولى.
*ثانياً:* قصور إدراك المسؤول الأعلى بخطورة وضع شخص غير كفء في موقع يتخذ قرارات تمس حياة الناس والمال العام للدولة.
*ثالثاً:* انسحاب الكفاءات من المشهد؛ فقد أدى عزوف المؤهلين إلى تربع غيرهم؛ لقد وصلنا إلى مرحلة يُعين فيها عضو في مجلس الشورى؛ المجلس التشريعي والرقابي دون مؤهل علمي، وهو المجلس الذي يُفترض أن يسن القوانين ويراقب الأداء.
لقد أفقدتنا هذه التراكمات القدرة على مواكبة التطور الذي تشهده الدول المجاورة. ولا تقتصر المسؤولية على من عيّن هؤلاء في مناصبهم فحسب، بل تمتد لتشمل المجتمع بأسره، وبشكل خاص صمت النخب المثقفة؛ فالتغاضي عن معايير التعيين التي تغيب عنها الكفاءة يزعزع ثقة المواطن بدولته، وفقاً للقاعدة الإدارية الراسخة: إذا اختلت القيادة، اختلت المؤسسة.
*أما عن سبل تصحيح الوضع الراهن، فتتمثل أبرزها في:*
*أولاً:* اعتماد معايير إلزامية لشغل المناصب القيادية، كحد أدنى يتمثل في مؤهل جامعي مناسب، وخبرة عملية موثقة، واجتياز تقييم كفاءة قيادية مستقل.
*ثانياً:* إخضاع القيادات الحالية لبرامج تطوير إداري مكثفة خلال فترة زمنية محددة، تتبعها عملية تقييم تؤدي إلى إعفاء من لا يستوفي المعايير المطلوبة.
*ثالثاً:* تفعيل الرقابة المجتمعية ونبذ التعيينات القائمة على المحسوبية أو القبلية.
نحن لا نعترض على الكفاءات العصامية التي صقلتها التجارب، فالتاريخ يزخر بنماذج مشرقة منها، لكن الخطر يكمن في تحويل هذه الحالات الاستثنائية إلى قاعدة في التعيين؛ فالدولة التي لا تُدار بمعايير الكفاءة والعلم تتراجع إدارياً وتفقد القدرة على إدارة مواردها بفاعلية.
إن الخلل الذي نشهده اليوم نابع من فجوة كبيرة بين حجم المسؤولية ومستوى تأهيل من يتولاها، وقد أسهمنا جميعاً بصمتنا في اتساعها، وإصلاح خرق السفينة لا يكون إلا بسدّه، لا بالبكاء على الماء المتسرب.






