هامش على فكرة الحكم الذاتي .. حضرموت وعدن: ضد منطق التفكيك
بقلم / فتحي بخضر
ليس أخطر على الجغرافيا من أن تُقرأ بوصفها رأياً. فحين تتحول الوقائع الصلبة إلى وجهات نظر، يصبح من السهل إنتاج خطاب سياسي يتجاهل البديهيات، ويقترح بدائل لا وجود لها إلا في تجنيحات اللغة حين تنفصل عن الواقع. والأخطر من ذلك حين يُتعامل مع العلاقة بين حضرموت وعدن وكأنها قابلة للفصل دون كلفة، أو كأنها علاقة بين كيانين مستقلين يمكن إعادة تعريفهما خارج شروطهما الفعلية. بينما هي في جوهرها أقرب إلى معادلة لا تعمل إلا بانتظام عناصرها: رقم تتجاور معه أصفار، لا بوصفها تابعاً له، بل بوصفها امتداداً يمنحه القدرة على الظهور في المجال الفعلي. الرقم، دون امتداده، يبقى محدود الأثر، والأصفار، دون موضعها، تتحول إلى فراغ لا ينتج قيمة.
هذا الخطاب لا يبدأ من الواقع، بل من رغبة في تجاوزه؛ يعيد تعريف العلاقة لا لأنه يملك بديلاً، بل لأنه يعجز عن التعامل مع شروطها كما هي. وكأن الجغرافيا يمكن أن تُعاد كتابتها بقرار. لكن ما يتجاهله هو أن هذه المعادلة لم تُبنَ على التقارب الرمزي، وإنما على الوظيفة: الوادي ينتج، والساحل يفتح المسار، والميناء يحدد مصير القيمة. التاريخ، في هذه الحالة، ليس ترفاً معرفياً، بل سجل لهذه البنية، وهو ما تؤكده التجربة نفسها: إذ لم تُدر حضرموت اقتصادياً أو سياسياً بمعزل عن عدن في أي مرحلة استقرار واضحة، كما لم تعمل عدن تاريخياً خارج دورها كممر رئيسي لحركة السلع والبشر والفرص. كلما استقرت القوة في عدن، امتد أثرها شرقاً، لأن السيطرة على الميناء لم تكن امتيازاً سياسياً، بل تحكماً في التدفق.
وليس هذا الترابط مجرد قراءة عامة، بل واقع اقتصادي موثق بتفاصيله. فقد كانت السلع الحضرمية-من الصبر والكمون والتمور إلى الأقمشة والمصنوعات-تتدفق إلى أسواق عدن بشكل منتظم، حيث تُقاس، وتُسجل، وتُفرض عليها العشور ضمن نظام جمركي واضح تديره سلطة الميناء. ولم تكن عدن محطة بيع فحسب، بل نقطة إعادة توجيه، تنطلق منها السفن إلى مراكز تجارية أبعد، بما فيها سواحل أفريقيا والهند، ما جعلها حلقة مركزية في دورة القيمة، لا مجرد طرف فيها. وحتى في لحظات الاحتكاك أو التعقيد الإداري، لم تتوقف هذه الحركة، بل استدعت تدخل السلطة لتسهيلها، في دليل واضح على أن التدفق لم يكن خياراً، بقدر ما كان ضرورة يقوم عليها النظام كله.
ولم تكن هذه الوظيفة اقتصادية فحسب، بل كانت ديموغرافية وسياسية في آن واحد. فقد تكونت عدن عبر تاريخها كمجال جذب مفتوح، التقت فيه عناصر متعددة: حضارم، وعرب من أقاليم مختلفة، وتجار من مصر والهند وشرق أفريقيا، حتى غدت مدينة تتشكل من حركة الوافدين، لا من سكون المقيمين. وفي الوقت نفسه، لم تكن مجرد نقطة عبور، بل نقطة انطلاق للسلطة نفسها؛ منها تحركت قوى الحكم نحو حضرموت، وعبرها أعيد ربطها سياسياً في أكثر من مرحلة.
هذا التكرار لا يعكس صدفة تاريخية، بل يكشف عن بنية ثابتة: عدن ليست على هامش حضرموت، بل في قلب معادلتها، بوصفها منفذها، وممرها، وأحد شروط انتظامها. من دون هذا التدفق، يفقد الداخل قدرته على تحويل إنتاجه إلى قيمة، تماماً كما يفقد الرقم معناه إذا نُزع عنه امتداده، أو تُركت الأصفار بلا موضعها الصحيح. من يتحدث عن فصل هذه العلاقة، يتصرف كما لو أن الأرقام تُعاد ترتيبها بالرغبة؛ يزيح الأصفار من موضعها، ثم يتوقع أن تبقى القيمة كما هي. لكنها لا تبقى.
ما يُشكل اليوم من مسافات وجدران سياسية بين عدن وحضرموت، باسم الحكم الذاتي أو بوصفه “فصلًا” أو “استقلالاً”، يتجاهل هذه البنية بالكامل. يتحدث عن حضرموت ككيان قائم، لكنه لا يجيب عن السؤال الأساسي: أين منفذه؟ كيف تصل بضائعه إلى السوق؟ ومن يضمن بقاء التدفق؟
الصمت هنا ليس نقصاً في التفاصيل، بل اعتراف ضمني بأن الإجابة غير مكتملة. في الاقتصاد، لا يكفي أن تُنتج، بل أن تصل. وفي السياسة، لا يكفي أن تملك قرارك، بل أن تملك طريق تنفيذه. وحضرموت، بكل ما تملكه من إمكانات، لا تعمل في فراغ، بل داخل شبكة يحدد فيها المنفذ جزءاً من معنى الإنتاج نفسه. ولهذا، فإن عدن، في هذا السياق، ليست مجرد مدينة، بل وظيفة في بنية أوسع: عقدة حركة، لا جغرافيا فقط.
ومن يحاول فصلها عن هذا السياق، لا يعيد رسم الخريطة، بل يقوم بتزيين الخسارة. المسألة، في جوهرها، ليست صراعاً على من يتقدم ومن يتأخر، ولا على من يقود ومن يتبع، بل على شيء أبسط وأكثر قسوة: هل يمكن تفكيك معادلة لا تعمل إلا حين يكون رقمها وامتدادها في انتظام واحد؟
كل حديث عن حكم ذاتي حضرمي خارج عدن، ليس قراءة سياسية، بل إنكار لشروطه. لأن ما يُراد فصله ليس جغرافيا عن جغرافيا، بل قيمة عن مسارها. وفصل الرقم عن أصفاره لا ينتج استقلالاً… بل يترك وراءه فراغاً لا يمكن تشغيله، ولا يمكن الدفاع عنه.
تلويحة:
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
حسُّكما فجأةً بالرجولةِ،
هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،
الصمتُ مبتسمين لتأنيب أمكما.. وكأنكما
ما تزالان طفلين!
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما.
أمل دنقل






