اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الـــــــداعون

الـــــــداعون

كتب / أ .عوض بلعيد لكمان
الاحد 2 فبراير 2025

في كل مجتمع تتوارث الأجيال عادات وتقاليد، بعضها يكون امتدادًا لقيم أصيلة، وبعضها يتشكل بمرور الزمن حتى يغدو طقسًا مألوفًا، ولو كان بعيدًا عن جوهر المعنى الحقيقي للتقاليد. ومن بين هذه العادات التي بدأت تطفو على السطح وتثير التساؤل، عادة ذكر “الداعين” عند إعلان خبر الوفاة في المساجد.

لطالما كان الإعلان عن وفاة شخص في المسجد وسيلة لإبلاغ الناس بموعد الجنازة والمكان المحدد للعزاء، كي يتمكن المحبون والجيران وأبناء الحي من أداء واجبهم تجاه الفقيد وأهله. إلا أن هذا الإعلان، الذي كان يومًا يحمل معنى المشاركة والتراحم، أصبح في بعض الأحيان ساحة لإظهار الأسماء والتفاخر بذكرها.

فقد بات من المعتاد عند سماع خبر الوفاة أن يتلوه إمام المسجد أو المسؤول عن الميكروفون بسرد طويل للأسماء: “الداعون للعزاء هم أبناء الفقيد، وإخوانه، وأعمامه، وأخواله، وأصهاره، وأصدقاؤه، وجيرانه، وزملاؤه في العمل…” إلى آخر قائمة طويلة قد تمتد حتى تشمل أشخاصًا لم تربطهم بالفقيد إلا معرفة عابرة. وكأن الإعلان لم يعد فقط للإخبار عن الوفاة، بل لتأكيد حضور أسماء معينة، وبيان صلة القرابة أو العلاقة وكأنها وسام شرف يُعلن على الملأ.

في جوهره الحقيقي، العزاء تعبير عن الحزن والمواساة، وليس مناسبة للاستعراض الاجتماعي. لكن يبدو أن بعض الناس باتوا يجدون في ذكر أسمائهم ضمن “الداعين” فرصةً لإثبات وجودهم أو تعزيز مكانتهم الاجتماعية، حتى أن البعض قد يشعر بالاستياء إن لم يُذكر اسمه، وكأن ذكره جزء لا يتجزأ من مراسم الإعلان.

هذا التوجه، وإن كان في ظاهره بسيطًا، إلا أنه يعكس تحولًا في القيم؛ فبدلًا من أن يكون العزاء لحظة تأمل وتضامن مع أهل الفقيد، أصبح عند البعض وسيلة لإثبات الحضور الاجتماعي، وكأن التعزية فقدت معانيها الصادقة وأصبحت أقرب إلى مناسبة بروتوكولية.

ليس الهدف من نقد هذه الظاهرة إنكار أهمية التعزية أو الدعوة إلى إلغائها، ولكن ينبغي إعادة النظر في جوهرها. فالمواساة لا تحتاج إلى إعلان رسمي ولا إلى قائمة من الأسماء، بل تكمن في الصدق، في كلمة طيبة، في دعاء خالص، في حضور صامت يواسي القلوب المنكوبة دون أن يكون هدفه إبراز الذات.

ربما حان الوقت لأن نعود إلى بساطة التعزية وروحها الحقيقية، حيث لا يكون “الداعون” هم محور الحديث، بل يكون الفقيد ودعوات الرحمة له، وأهله ودعوات الصبر لهم، هم الجوهر الذي لا ينبغي أن يُنسى وسط زحام الأسماء والمظاهر.

إغلاق