اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

في ظلال آية

في ظلال آية

كتب /. جواد محمد ناجي النابهي

قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ،، [سورة النساء:58].

هذه هي تكاليف الجماعة المسلمة ، وهذا هو خلقها : أداء الأمانات إلى أهلها ، والحكم بين الناس بالعدل على منهج الله وتعليمه.

والأمانات تبدأ من الأمانة الكبرى ، الأمانة التي ناط الله بها فطرة الإنسان ، والتي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها ، وحملها ( الإنسان ) ، أمانة الهداية والمعرفة والإيمان بالله عن قصد وإرادة وجهد واتجاه ، فهذه أمانة الفطرة الإنسانية خاصة ، فكل ما عدا الإنسان ألهمه ربه الإيمان به ، والاهتداء إليه ومعرفته وعبادته وطاعته، وألزمه طاعة ناموسه بغير جهد منه ولا قصد ولا إرادة ولا إتجاه ، والإنسان وحده هو الذي وكل إلى فطرته ، وإلى عقله ، وإلى معرفته ، وإلى إرادته ، وإلى اتجاهه ، وإلى جهده الذي يبذله للوصول إلى الله ، بعون من الله ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) ، وهذه أمانة حملها وعليه أن يؤديها أول ما يؤدي من الأمانات.

ومن هذه الأمانة الكبرى ، تنبثق سائر الأمانات ، التي يأمر الله أن تؤدى ؛ ومن هذه الأمانات، أمانة الشهادة لهذا الدين: الشهادة له في النفس أولاً بمجاهدة النفس حتى تكون ترجمة له ترجمة حية في شعورها وسلوكها ، حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه النفس، فيقولوا : ما أطيب هذا الإيمان وأحسنه وأزكاه ، وهو يصوغ نفوس أصحابه على هذا المثال من الخلق والكمال ! فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس يتأثر بها الآخرون، والشهادة له بدعوة الناس إليه ، وبيان فضله ومزيته -بعد تمثل هذا الفضل وهذه المزية في نفس الداعية- فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه ، إذا هو لم يدع إليها الناس كذلك ، وما يكون قد أدى أمانة الدعوة والتبليغ والبيان وهي إحدى الأمانات.

ثم الشهادة لهذا الدين بمحاولة إقراره في الأرض ، منهجاً للجماعة المؤمنة ، ومنهجًا للبشرية جميعًا ، المحاولة بكل ما يملك الفرد من وسيلة ، وبكل ما تملك الجماعة من وسيلة، فإقرار هذا المنهج في حياة البشر هو كبرى الأمانات ، بعد الإيمان الذاتي ولا يعفى من هذه الأمانة الأخيرة فرد ولا جماعة ، ومن ثم فـ “الجهاد ماض إلى يوم القيامة” على هذا الأساس غداء لإحدى الأمانات.

ومن هذه الأمانات أمانة التعامل مع الناس ، ورد أماناتهم إليهم: أمانة المعاملات والودائع المادية وأمانه النصيحة للراعي وللرعية ، وأمانه القيام على الأطفال الناشئة ، وأمانة المحافظة على حرمات الجماعة وأموالها وثغراتها ، وسائر ما يجلوه المنهج الرباني من الواجبات والتكاليف في كل مجالي الحياة على وجه الإجمال، فهذه من الأمانات التي يأمر الله أن تؤدى ، ويجملها النص هذا الإجمال.

فأما الحكم بالعدل بين ” الناس” ، فالنص يطلقه هكذا عدلاً شاملاً ، “بين الناس” ، جميعًا ، لا عدلاً بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب ، ولا عدلاً مع أهل الكتاب دون سائر الناس ، وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه “إنسانًا ” ، فهذه الصفة -صفة الناس- هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني ، وهذه الصفة يلتقي عليها البشر جميعاً : مؤمنين وكفاراً ، أصدقاء وأعداء ، سوداً وبيضاً ، عرباً وعجماً ، والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل -متى حكمت في أمرهم- هذا العدل الذي لم تعرفه البشرية قط -في هذه الصورة- إلا على يد الإسلام ، وإلا في حكم المسلمين ، وإلا في عهد القيادة الإسلامية للبشرية ، والذي افتقدته من قبل ومن بعد هذه القيادة : فلم تذق له طعماً قط ، في مثل هذه الصورة الكريمة التي تتاح للناس جميعًا ، لأنهم “ناس!” لا لأية صفة أخرى زائدة عن هذا الأصل الذي يشترك فيه “الناس” ! وذلك هو أساس الحكم في الإسلام ، كما أن الأمانة -بكل مدلولاتها- هي أساس الحياة في المجتمع الإسلامي.

والتعقيب على الأمر بأداء الأمانات إلى أهلها ، والحكم بين الناس بالعدل ، هو التذكير بأنه من وعظ الله -سبحانه- وتوجيهه، ونِعَّم ما يعظ الله به ويوجه : (إن الله نِعِمَّا يعظكم به).

ونقف لحظة أمام التعبير من ناحية أسلوب الأداء فيه ، فالأصل في تركيب الجملة : إنه نِعَّم ما يعظكم الله به ، ولكن التعبير يقدم لفظ الجلالة فيجعله “اسم إن” ، ويجعل نعم ما “نِعِمَّا” ومتعلقاتها ، في مكان “خبر إن” بعد حذف الخبر ، ذلك ليوحي بشدة الصلة بين الله -سبحانه- وهذا الذي يعظهم به.

ثم إنها لم تكن “عظة”، إنما كانت”أمرًا” ، ولكن التعبير يسميه عظة ، لأن العظة أبلغ إلى القلب ، وأسرع إلى الوجدان ، وأقرب إلى التنفيذ المنبعث عن التطوع والرغبة والحياء !

ثم يجيء التعقيب الأخير في الآية ، يعلق الأمر بالله ومراقبته وخشيته ورجائه : (إن الله كان سميعًا بصيرًا) .

والتناسق بين المأمور به من التكاليف ؛ وهو أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس ، وبين كون الله سبحانه (سميعًا بصيرًا) مناسبة واضحة ولطيفة معًا ؛ فالله يسمع ويبصر ، قضايا العدل وقضايا الأمانة ، والعدل كذلك في حاجة إلى الإستماع البصير وإلى حسن التقدير ، وإلى مراعاة الملابسات والظواهر ، وإلى التعمق فيما وراء الملابسات والظواهر.

وأخيراً فإن الأمر بهما يصدر عن السميع البصير بكل الأمور ، وبعد فالأمانة والعدل ، ما مقياسهما ؟ ما منهج تصورهما وتحديدهما وتنفيذهما ؟في كل مجال في الحياة ، وفي كل نشاط للحياة ؟

أنترك مدلول الأمانة والعدل ؛ ووسائل تطبيقهما وتحقيقهما إلى عرف الناس واصطلاحهم ؟ وإلى ما تحكم به عقولهم – أو أهواؤهم ؟ إن للعقل البشري وزنه وقيمته بوصفه أداة من أدوات المعرفة والهداية في الإنسان ، هذا حق ؛ ولكن هذا العقل البشري هو عقل الأفراد والجماعات في بيئة من البيئات ، متأثراً بشتى المؤثرات ، ليس هناك ما يسمى “العقل البشري” كمدلول مطلق! إنما هناك عقلي وعقلك ، وعقل فلان وعلان ، وعقول هذه المجموعة من البشر ، في مكان ما وفي زمان ما ، وهذه كلها واقعة تحت مؤثرات شتى ، تميل بها من هنا .وتميل بها من هناك ، ولا بد من ميزان ثابت ، ترجع إليه هذه العقول الكثيرة، فتعرف عنده مدى الخطأ والصواب في أحكامها وتصوراتها ، ومدى الشطط والغلو ، أو التقصير والقصور في هذه الأحكام والتصورات ، وقيمة العقل البشري هنا هو أنه الأداة المهيأة للإنسان ، ليعرف بها وزن أحكامه في هذا الميزان ، الميزان الثابت ، الذي لا يميل مع الهوى ، ولا يتأثر بشتى المؤثرات ، ولا عبرة بما يضعه البشر أنفسهم من موازين ، فقد يكون الخلل في هذه الموازين ذاتها ، فتختل جميع القيم ، ما لم يرجع الناس إلى ذلك الميزان الثابت القويم.

والله يضع هذا الميزان للبشر، للأمانة والعدل، ولسائر القيم ، وسائر الأحكام ، وسائر أوجه النشاط ،في كل حقل من حقول الحياة ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا).

وفي هذا النص القصير يبين الله -سبحانه- شرط الإيمان وحد الإسلام، في الوقت الذي يبين فيه قاعدة النظام الأساسي في الجماعة المسلمة ، وقاعدة الحكم ، ومصدر السلطان ، وكلها تبدأ وتنتهي عند التلقي من الله وحده ، والرجوع إليه فيما لم ينص عليه نصاً ، من جزئيات الحياة التي تعرض في حياة الناس على مدى الأجيال ، مما تختلف فيه العقول والآراء والأفهام ، ليكون هنالك الميزان الثابت ، الذي ترجع إليه العقول والآراء والأفهام!

إن «الحاكمية» الله وحده في حياة البشر -ما جل منها وما دق ، وما كبر منها وما صغر- والله قد سن شريعة أودعها قرآنه وأرسل بها رسولاً يبينها للناس، ولا ينطق عن الهوى ، فسنته -صلى الله عليه وسلم- من ثم شريعة من شريعة الله.

والله واجب الطاعة ، ومن خصائص ألوهيته أن يسن الشريعة، فشريعته واجبة التنفيذ، وعلى الذين آمنوا أن يطيعوا الله – ابتداء – وأن يطيعوا الرسول – بما له من هذه الصفة ، صفة الرسالة من الله – فطاعته إذن من طاعة الله ، الذي أرسله بهذه الشريعة ، وبيانها للناس في سنته ، وسنته وقضاؤه – على هذا – جزء من الشريعة واجب النفاذ، والإيمان يتعلق – وجودًا وعدمًا – بهذه الطاعة وهذا التنفيذ – بنص القرآن (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) .. فأما أولو الأمر ، فالنص يعين من هم.

(وأولي الأمر منكم) أي من المؤمنين الذين يتحقق فيهم شرط الإيمان وحد الإسلام المبين في الآية ، من طاعة الله وطاعة الرسول وإفراد الله بالحكم وحق التشريع للناس ابتداء ، والتلقي منه وحده والرجوع إليه سبحانه فيما تختلف فيه العقول والافهام والآراء ، مما لم يرد فيه نص.

إغلاق