خارج الخدمة
كتب / عبدالله حسن قاسم
الجمعة 23 فبراير 2024
تعطي هذه البلاد بسخاء، مشكلتها أنها لا تعطي كل فرد ما يستحقه يدا بيد كما يقتضي “إيتيكيت” الأعطيات، إنما تنثر خيرها فوق الرؤوس فيستأثر به طوال القامات ويحجبونه عن الأقزام، ولهذا نرى الثراء الفاحش والفقر المدقع ممتدان جنبا إلى جنب على بساطها .. ولاشيء بينهما!
كثيرا ما يولد الفساد بلا مناعة ولا مقاومة تُمَكِنَه من البقاء، لكنه إذا وجد بيئة خصبة وحاضنة قوية، يتمدد وينتشر بشكل مخيف، وهذا ما حصل حرفيا، فمنذ وعينا ونحن نسمع الحديث عن الفساد لكنه لم يكن مرئيا، أو لِنَقل، كان كسيحا دون أيادٍ وأرجل، أما اليوم فأصبح ماثلا كالأخطبوط، يمارس نهارًا ولا حرج!
فمنذ اللحظة الأولى التي يتقلد فيها المسؤول داخل هذه الرقعة الجغرافية منصبا وهو يفكر كيف يغتني من المنصب وفي فترة قياسية جدا، وبدلا من أن ينافس أقرانه في التعمير والبناء وتقديم الخدمات، ينافسهم في اقتناء السيارات الفارهة والقصور المنيفة، وتضخيم الأرصدة البنكية، ولا يضيره في شيء -مثلا- أن يتمتع بمسمى رئيس دولة في حين يبدو عاجزا أن يصدر قرارا واحد فيه قليل من الحزم، أو يحظى بمنصب محافظ البنك بينما الريال يهرول نزولا بوتيرة متسارعة، ولا يخجل أن يكون محافظ بينما أوضاع محافظته تتردى كل يوم دون أن يحرك ساكنا، ولا يجد حرجا أن يصبح وكيلا بلا ظهور إيجابي أو سعي حقيقي لخدمة الناس، ولا تمنعه عزة النفس ومتطلبات المروءة أن يكون مديرا لأكبر مؤسسة خدمية كالكهرباء، في حين لا توجد كهرباء، ولا يضع حلولا، ولا يحاول، ولا يتكلم ..ولا يستقيل! كان الأولون متحمسون للعمل والتطوير لدرجة أنه إذا انصدمت خططهم التطويرية بمصالح الهوامير يسارعون مباشرة لتقديم استقالاتهم وكشف الألاعيب كونهم أسقط بأيديهم و لا يمكن أن يقدموا شيئا في بيئة غير صحية، تبدّل الزمن، وتبلّد الإحساس… ولم يعد غريبا أن تجد المسؤول (صفر العطاء) ملتصقا بالكرسي لسنوات، لا يتغير ولا يتبدل لأنه اختار أن يخدم الهوامير على حساب أخلاقيات المنصب ومقتضيات الفطرة السليمة، لكن أطماع الهوامير لا تقف عند حد، وهم في تجدد دائم، وبعد أن يستهلكونه تماما، تأتي إملاءاتهم بتغييره، وحينها سيجد نفسه كقطعة لباس بالية رماها صاحبها على قارعة الطريق بعد أن أنهكها استخداما لا يلتفت إليها أحد لأنها فقدت قيمتها ولم تعد تصلح لأي استخدام، وكان بوسعه أن يكون قارورة عطر حتى بعد أن يفرغ محتواها تبقى تحتفظ برائحتها الذكية وقيمتها المعنوية!






