هزّات الحياة.. وارتداداتها
كتب / عبدالله حسن قاسم
الجمعة 2 فبراير 2024
نقّل (صالح) ميوله من الهوايات ما استطاع، وتنقّل بين عدة اهتمامات كان يشغل بها وقت فراغه من الرسم إلى الإنشاد ،ومن كرة القدم إلى كرة الطائرة، ثم الرماية وركوب الخيل ، بيد أنه لم يتقن واحدة إتقانا حقيقيا .. كان كَمَن يأخذ من كل بحر قطرة، لكن سرعان ما تجفّ وتمحوها القطرة التالية وهكذا، وفي لحظة، وعلى حين غفلة من الزمن.. وجد نفسه يكتب رسائل غرامية بالنيابة عن صديقه “ضياء”.
تسرب ضياء من المدرسة ذات يوم ولم يُكمل تعليمه ولم يتابع ممارسة الكتابة والقراءة حتى وجد نفسه يعود مجددا إلى طابور الأمية الذي يتزايد في البلد كل يوم. و حين عثر على شريكة حياته، وجد نفسه عاجزا عن بناء جسر للتواصل وهو الأمّي الذي فقد القدرة على القراءة والكتابة فاستعان بصديقه (صالح) المقرب جدا منه والذي يحظى بمكانة الأخ لدى ضياء.
عَمَلٌ شاق كُلِّف به صالح وقَبِلَه على مضض تحت تأثير رابط الصداقة وإن شئت فقل الإخاء، كان عليه أن يقرأ على صديقه كل أسبوع رسالة من شريكة حياته ، ثم يتقمص دور العاشق ويبث لواعجه على بياض بالنيابة، كممثل بدور عاشق يجبره المخرج على إظهار فيض أحاسيسه ليبدو المشهد مكتملا لكن دواخله لا تستجيب!
ليس هناك أقسى مِن أن يُطلب منك شيء لا تستطيعه يدك، فكيف بما لا يستطيعه قلبك وهو مستودع المشاعر والأحاسيس !!!
يحتاج صالح أن يحب لتتفجر مشاعره ويبدو مؤثرا، وفي جحيم هذا الصراع و ضياء ينتظر ولادة رسالة متعسرة يتمنى الأخير لو أنه واصل تعليمه كما فعل ” صالح” ليتمكن على الأقل من مجاراة شريكة حياته في الكتابة دون الحاجة لوسيط أو مترجم فيبدأ يوزع اللوم على الحكومة التي لم تهتم بالتعليم، وعلى السلطة المحلية التي لم تقم ببناء مدرسة في القرية كما يجب، وعلى حالة العوز التي ألقت بتبعاتها على الجميع حتى لم تعد للتعليم أولوية ، يلوم المعلمين في مدرسة القرية المتهالكة ذات السقف المبني من القش، والأحجار التي رصتها دفع الطلاب المتلاحقة لتقوم مقام الكراسي ، والسبورات الإسمنتية الخشنة..يلوم الجميع لأنهم حسب اعتقاده قصروا في أداء رسالتهم، وجد نفسه يلقي اللوم على الجميع ويستثن نفسه من كل هذا ، وهو طبع العامل السيء الذي كثيرا ما يلوم أدواته حينما لا تسعفه قدراته.. فالإنسان عند كل نقطة فشل، يبحث عن مشجب يُعلّق عليه أخطاءه، ويبحث عن آخرين يلومهم عن فشله… وإذا سلّمنا أنّ هؤلاء الملومين وحدهم سببا في أمّية (ضياء) فكيف تجاوزهم صالح..وهو خريج المدرسة نفسها …..حتى وصل إلى مرحلة الكتابة؟!






